مصر: الخطايا العشر لنيابة أمن الدولة

أقامت جلُ النظريات السياسية الصلة بين الدولة والفرد، بحيث جعلت من تمام وجوده حضوره في دولة تدفع به كقيمة عليا. الأمر الذي يجعل كل انتهاك ضده هدما لفكرة الدولة نفسها. وكما تتحقق الصلة الإيجابية بين الفرد والدولة بالقانون فإن خلافها يتحقق أيضا بالقانون.

تعتبر حرية الفرد الأصل في الأشياء، وكل حد لها يفترض نصا قانونيًا يبرر وضع الحد. في مخالفة ما سبق تقع حالة التعسُف في تطبيق الإجراء القانوني. لعل الضحية الأولى للإعتقال التعسفي هي شخص واحد إلا أنه في الواقع عقاب جماعي يمتد أثره إلى أفراد أسرة الموقوف التي تعيش حالة الخوف والقلق على مصير ابنها أوابنتها. توفي والد الشاب المصري شادي أبو زيد وهو في الحجز فيما تصارع والدته المرض دون أن تقدر على زيارته. تواصل احتجاز شادي لمدة 21 شهرًا على ذمة القضية رقم 621. وقد تم الحكم بإخلاء سبيله بتدابير احترازية إلا أن النيابة العامة سارعت إلى ضمه في قضية أخرى تحت رقم 1956 لسنة 2019، أي على ذمة قضية تكونت وهو في الحجز.

 

تبدأ بإيقاف الشخص من قبل القوة العامة سلسلة الإجراءات القانونية التي من المفترض أن تضمن توازن حق الفرد في علاقته بحق المجتمع في السلم والأمن. وأداة هذا التوازن هو القانون أساسا، عبر تطبيق السلطات له على الجميع. إلا أن الإشكال الجدي يبدأ عندما لا تحترم السلطة نفسها القانون. يمكن القول، أن محاولة القانون تقدير التعسف في أدق مراحل تطبيقه، يعبر عن حساسية المعادلة لارتباطها بوجود المجتمع والعقد الذي يحكمه. وهو ما سيتم عرضه عبر جملة من قواعد ومبادئ القانون الدولي، كما فسر جزء منها الفريق العامل على الاعتقال التعسفي في الأمم المتحدة، وقبل الدخول في تفاصيل القانون المصري، والانتهاكات المتكررة له ولحقوق الإنسان.

 

ينبني تقدير التعسُف على ما يُهدر من حرية الفرد في التفكير والتعبير والحركة ومجمل حقوقه. أما أول مداخل تقدير التعسف هو النظر في الآلة القانونية للإعتقال التعسفي في مصر. لعلها من المفارقة أن تكون الآلة قانونية إلا أن العبارة المذكورة آنفا تستقيم إذا كانت أدوات القمع تمر عبر النصوص القانونية وتوظيفها. وهو ما جعل الفريق العامل المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي في الأمم المتحدة يجعل كل الضوابط والقواعد المرتبطة بمنظومة العدالة ككل جزء من تقييمه لحالة التعسف في الإعتقال. حسب هذا الفريق، يصبح الحد من الحرية تعسفيا في حالات ثلاث. وهي كالتالي:

 

إذا كان واضحا من المستحيل التذرع بأي أساس قانوني لتبرير الحرمان من الحرية، كأن يبقى الشخص قيد الإحتجاز بعد انتهاء مدة العقوبة المحكوم عليه بها أو على الرغم من صدور قانون عفو ينطبق عليه. وهي الفئة الأولى.

إذا كان الحرمان من الحرية ناجما عن ممارسة الحقوق والحريات التي يضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وهي الفئة الثانية من حالات الإحتجاز التعسفي.

إذا كان عدم الإحترام التام أو الجزئي للقواعد المتصلة بالحق في محاكمة عادلة، المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية ذات الصلة، من الخطورة بحيث تضفي على الحرمان من الحرية طابعا تعسفيا. وهنا يضع الفريق معيارا للفئة الثالثة من حالات التعسف في الحجز.

عرفت مصر 638 حالة اعتقال تعسفي خلال نصف السنة الأول فقط من 2019، من جملة 4820 انتهاكًا، كما ورد في التقرير نصف السنوي لمشروع مراقبة مراكز الإحتجاز ل Committee for Justice. والأرقام تصبح أكبر عندما نتتبع تفاصيل المبادئ القانونية التي بخرقها يصبح كل توقيف تعسفا وضربا للحرية.

 

أصبحت نيابة أمن الدولة “أداة شريرة للقمع”، كما أوردت ذلك منظمة العفو الدولية، حيث لا توفر في جميع مراحل التقاضي ضمانات المحاكمة العادلة التي يفرضها القانون الدولي. وهي تنظر في قضايا ناتجة عن ممارسة الحقوق والحريات المكفولة قانونيا. تمت إحالة عدة ناشطين على محاكمات بسبب مواقفهم السياسية ومعارضتهم لسياسات الحكم القائمة. الأمر الذي يجعل كل مسار التقاضي منذ الإعتقال وصلا إلى الحكم واقعا تحت تقدير التعسُف من حيث الأصل.

 

يفترض في قرار الحبس على سبيل المثال أن يكون مستندا إلى أدلة تبرر الحد من حرية الفرد، أي إلى كل ما يقوم كدليل على قانونية الإحتجاز. تعمد قوات الأمن في مصر إلى احتجاز الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان استنادا إلى تهم ملفقة، وهو ما حصل في حالة الناشطة إسراء عبد الفتاح، التي خضعت للتحقيق وتعرضت خلاله للتعذيب دون أن تواجه أية دليل على التهم. ولا تزال إسراء في السجن منذ 12 أكتوبر 2019. وأورد تقرير الفريق العامل المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي في الأمم المتحدة لسنة 2014 حالات محمد محمد مرسي وعيسى العياط، وأحمد عبد العاطي، وعصام الحداد، وخالد القزاز، وعبد المجيد مشالي، وأسعد الشيخة، وأيمن علي، كحالات إحتجاز تعسفي من الدرجة الثالثة. تغيب في هذه الحالات الأخيرة شروط المحاكمة العادلة، كما يفترضها القانون الدولي، خاصة مع ما تحمله المحاكمات ذات الطابع السياسي من توظيف داخل المحاكم وخارجها، تُبرر به السلطة سلوكها.

 

يترافق الإعتقال التعسفي مع انتهاك لقرينة البراءة المضمونة دوليًا، حيث تسمح قوات الأمن لنفسها بارتكاب كل أنواع العنف والإهانة ضد الموقوفين. تصدر قوات الأمن حكمها على المعتقلين منذ البداية، فهم متهمون إلى أن يأتي خلاف ذلك، خاصة أن عدة حالات توقيف تتم بدون إذن النيابة. لاحقا، يتعرض الموقوفون إلى التعذيب بصورة ممنهجة لانتزاع الأقوال منهم، ثم تتم إحالتهم للمحاكمة. وتعمد قوات الأمن إلى تزوير تواريخ الإعتقال قصد محو تاريخ الإعتقال التعسفي وما يرافقه من تعذيب واختفاء قسري المجرَمان في القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

 

بعد انتهاء مدة التوقيف على ذمة قضية أولى، يتم ضم الموقوف الى قضية أخرى، أو يحال على الدائرة المختصة في القضايا الإرهابية. واجه الموقوفون في القضية المعروفة باسم مظاليم وسط البلد هذه الوضعية، حيث بعد أن تم إطلاق سراح الموقوفين وانتهاء مدة الإيقاف التحفظي، تمت إحالة قضيتهم أمام الدائرة 21 إرهاب. الأمر الذي يطيل مدة ايقافهم أكثر. يؤكد تقرير الفريق المذكور آنفًا، أن كل إطالة غير مبررة تجعل إجراء التوقيف باطلا ويقع تحت تقدير التعسُف مباشرة رغم ان الإجراءات قانونية شكلا إلا أن استغلالها تعسفيا في قضايا ملفقة أو اتهامات باطلة او تمديدها عمدا يجعل من حالة التعسف قائمة، تبعا لتقييم فريق الأمم المتحدة.

 

يتجدد الإعتقال التعسفي سواء بالطريقة المذكورة آنفًا، أي بإخلاء سبيل الموقوفين لأسابيع أو شهور، ثم اعتقالهم مجددًا في قضايا جديدة بنفس الاتهامات القديمة، وقد تعرضت المحامية الحقوقية ماهينور المصري، والمحامي محمد حمدون لهذه الوضعية. أو من خلال صدور قرارات بإخلاء سبيل المعتقلين، ولكن دون أن يعقبها تنفيذ، فيختفي المتهم لفترة ثم يظهر مجددًا في قضية جديدة. يمكن الإشارة في هذه الحالة إلى قضية معتقلي مسيرة الإتحادية حيث استمر حبسهم رغم انتهاء مدة الإيقاف التحفظي، كما أن منهم من حكم لصالحه بالإفراج مقابل كفالة لكن لم يفرج عنهم فعليًا. من الجدير التذكير أن هذا المعطى يتعارض مع المعايير الدولية لاستقلال القضاء. والأخير ذاته يعبر عن عنصرين أساسيين في الديمقراطية الحديثة، وهما سيادة القانون والفصل بين السلطات. تؤكد المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على استقلالية القضاء، الذي يعني تطبيقيًا، وفي جانب منه، عدم تسييس القضاء واستغلاله لصالح طرف ما.

 

خلقت ممارسات السلطة في مصر “بابا دوارا”، كما اشارت الى ذلك منظمة العفو الدولية، في منظومة الإعتقال التعسفي في القضاء المدني لكن القضاء العسكري قد ساهم فيها بدوره. أشار الفريق العامل المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي في الأمم المتحدة إلى الدور السلبي للقضاء العسكري، حيث يدخل دوره في الفئة الثالثة من الإيقاف التعسفي. من حيث المبدأ، يرى هذا الفريق وجود تضارب في القيم لا يمكن تصحيحه في تركيبة المحاكم العسكرية. وهو تضارب لا يفضي بالدرجة الأولى إلى إنكار العدالة بل يفضي إلى ظلم مباشر. بينما يُفترض في القاضي المدني استقلاليته، يعمل القضاء العسكري ضمن تراتبية خاصة تفرضها مهنته مع إعلاءها كقيمة مبدئية. عُرض أكثر من 12000 مدني أمام القضاء العسكري في عهد حسني مبارك. ويزداد العدد في عهد الرئيس السيسي الذي أصدر القانون 136 لعام 2014 الذي فوّض إلى الجيش سلطة حماية المنشآت العامة والحكومية لمدّة عامَين. بسبب هذا التوسع، عُرض أكثر من 7000 مدني خلال عامين من إصدار القانون. تدخل هذه الأرقام من حيث المبدأ في الفئة الثالثة بالنظر إلى غياب شروط المحاكمة العادلة التي تفترض محاكمة المدنيين أمام القضاء العادي فقط. وللإشارة فقد مدد البلمان المصري العمل بالقانون 136 لعام 2014 خمس سنوات إضافية حتى العام 2021.

 

يتعارض ما سبق ذكره مع الديمقراطية الدستورية وشروطها التي تتخلل عدة نصوص دولية. تحقق هذه الشروط توجه المجتمع الدولي منذ الحربين العالميتين إلى تكريس المبادئ الإنسانية في المجتمعات والدول كأداة لتجنب الحروب. يلتقي ذلك مع هاجس تحقيق السلم الداخلي لكل دولة على حدة. وهو ما يتعلق مباشرة بنظام الحكم والعقد الاجتماعي القائم فيها.