كتب محمد الرصافي المقداد / كي لا نغفل عن عدو الدّاخل

بقلم محمد الرصافي المقداد

لن يهنأ وطن يجد فيه العملاء حظوة ومكانة، ولا يكون حظ الوطنيّ فيه إعلاميا، سوى حصاد سيئات أولئك العملاء، لذلك يستحيل أن يتعايش الوطنيّون مع العملاء.

عندما نجد أنفسنا في مواجهة أعداء شرسين، لا معنى للقيم المدنية والآداب الإنسانية عندهم خارج ديارهم، قد عرفوا بوحشية لا يختلف عليها إثنان، ومن قرأ تاريخهم وعايش غلواءهم، وعاين سقوطهم القيمي والأخلاقي، فإنه سوف لن يتردد في نسبة أي جريمة تقع على الأرض إليهم.

جريمة أخرى، تضاف إلى سلسلة الجرائم الأمريكية الصهيونية، التي أرتكبت بحق لبنان أرضا وشعبا ومشروعا تحرريا كبيرا، ليست أقل بشاعة من سابقاتها، ولكنها بمقارنة معها، عسر علينا هضمها، وقد بلغت حجم الكارثة، بكل مقاييسها المادية، فتعمد ترك مواد مصادرة شديدة الإنفجار، بعد ان تم تحويلها من ميناء طرابلس، لمدة زادت على 6 سنوات، في مكانها دون أدنى اعتبار، إهمال متعمد دَفِع إليه أعداء لبنان عملاؤهم لتنفيذه، كأرضية سانحة لتنفيذ اعتداء عندما يرغبون، ولا يكلفهم شيئا، وقد حان وقته.

والحادث الذي حصل بميناء بيروت، كما عبّر عنه الرئيس الامريكي بالاعتداء، أعد بخبث ودهاء ليوم الحادثة، فمن غض الطرف عن وجود كميات ضخمة من المواد شديدة الإنفجار، في وضع تخزيني مهمل، وفي مكان لا يجب أن تبقى فيه، إلى هذا المدى الطويل من الزمن، واغفال المسؤولين عن متابعة ملفّه المنسيّ عمدا، يدفعنا دفعا الى القول، بأن تحويل تلك المواد الخطرة جدا، وإجادها في ذلك المستودع من ميناء بيروت، هو بداية عدوان استباقي جديد على لبنان، بدأ بذلك الشكل.

بيروت المنكوبة ما بعد الإنفجار الرهيب، كانت تنبض حياة وتتقد حيوية، بل وتتحدى أعداءها بصمودها الأسطوري، فتزداد تألقا ويزداد أعداؤها حنقا وحقدا، وفجأة حدث ما لم يكن في الحسبان، وإذا بقلب بيروت يتحول في لمح البصر، إلى أكداس مبعثرة من كل ما حواه الميناء، وما وراءه من مبان منهارة، في صورة مفزعة  أكثر إيلاما من برلين، بعد إعلان سقوطها في الحرب الكونية الثانية، بل إن المشهد أكثر شبها بهيروشيما وناكازاكي، بعد جريمة القنبلتين النوويتين الأمريكيتين، انفجار من شدّته وارتفاع حرارته انصهر الحديد، وذاب الإسمنت المسلح، وتطاير رجال الإطفاء في الجو، وكانوا أول ضحايا الحادث، وانطمر من انطمر تحت ركام المباني، على شعاع التأثر الكامل بالإنفجار المعدود بالكيلومترات، وعلى ذلك الشعاع، غادرت الحياة الميناء والاحياء المجاورة له، بعدما ذهبت حلتها وتهاوت بنيتها، بسبب من؟ وإهمال من؟ وتقصير من؟ حادث قد يراه البعض عفويا وغير مقصود – ولا اشاطرهم في ذلك أبدا-  وهو في أساسه جريمة فظيعة، اشترك فيها أكثر من طرف، ليس بمقدورنا ولا بمقدور اخوتنا في لبنان، تقدير حجم خسائرها لا ماديا ولا معنويا، في ظرف حساس جدا، فرض على سوريا ولبنان، لتركيعهما معا أمام غطرسة أمريكية، تخطت كل حدود المعقول، لأجل تحقيق أمن الكيان الصهيوني، وتلبية نزواته في الهيمنة على الشرق الأوسط بأسره، ودمار الدول المحيطة بفلسطين وخصوصا منها تلك التي عبرت عن رفضها، لصفقة القرن الأمريكية، أصبح اليوم واقعا نراه يتحقق شيئا فشيئا.

إشاعة الفوضى وعرقلة نمو شعوب المنطقة، خصوصا تلك التي احتضنت مقاومة المشروع الصهيو أمريكي، هي أدوات هدم وانهاك جهود القوى الخيّرة من هذه الأمّة، التي رفضت الانصياع وراء وعود، لا تحقق شيئا من كرامة بلدانها، ومن موبقات أعداء الانسانية وحريتها وكرامتها، إنهم أصبحوا يعتمدون على غيرهم في تنفيذ مخططاتهم، فيكفي أن يجدوا عميلا ليقوم بما يستنكفونه بأيديهم، وهذا ما حصل بميناء بيروت، تمهيدا وإهمالا وتنفيذا.

لم أجد تبريرا واحدا يسمح لمسؤولين متعاقبين، على ضبط تخزين مواد الأمونيا، شديدة الإنفجار في الميناء، وتقديم تقارير على حالتها، وعدم إيلاء أي اهتمام بذلك، من طرف سلطة الإشراف، أمر يدعو إلى الحيرة حقا، وثغرة متعمدة استغلها الأعداء بسهولة، وكانت النتيجة كارثية، وأعتقد يقينا، أن الميناء لو كان تحت تصرف ورقابة المقاومة، لما وقع الإنفجار، وأذكر هنا أحد خطابات سيد المقاومة عندما هدد بالرد على اعتداءات الجيش الصهيوني بقصف حيفا وميناءها الذي يحتوي خزانات الأمونيا، بما يعني أن استهداف حيفا سيكون خطيرا على الكيان الصهيوني، وميناءها يحوي عددا من خزانات الأمونيا، فكيف تضع المقاومة في ميزان ردعها نقطة الضعف تلك، وتتجاهل الحكومة اللبنانية ملف معالجة شحنة الامونيا المصادرة، والتحرك نحو اعطاء أمر إخراجها، بعيدا عن الميناء وعن العاصمة.

أهلنا في بيروت خصوصا ولبنان عموما، عاشوا محن ونكبات عديدة، ومع ذلك أصروا على أن يبقوا واقفين صامدين شامخين، في وجه كل بلوى أصابتهم، وخرجوا منها جميعا بثبات رجال، لم تؤثر فيهم نوائب الدهر، وفي هذه البلوى سيخرجون منها أشد من ذي قبل، رباطة جأش وقوة عزم، كزبر الحديد، ومن فرح بمصابهم اليوم سيحزن قريبا، ذلك أن الرجال يصنعون التاريخ، والبغايا تصنع الخطيئة والعار.

ما يتهدد المقاومة عدوّ خارجي وآخر داخلي، وفي نظر كل عاقل أن العدو الداخلي أشد خطرا من الخارجي، لسبب بسيط هو أن العدو الخارجي معروف، وقد لا تعرف تخطيطه، ولكن تتحسب له حسابه وتحتاط منه، أما العدو الداخلي فهو شريك في الوطن، ويحتاج إلى جهود كبيرة، لكشفه وإخراجه من محل تخفّيه، متلبّسا بجرمه، وغالبا ما يتمكن من تنفيذ ما أوكل إليه من أعمال، لا تخدم مصلحة البلاد.

هذا العدو موجود في شخص المسؤول، المتقاعس عن أداء مهامه، وفي شخص الحاكم والوزير، الذي يستجيب لأوامر أعداء بلده، وفي شخص العميل الذي رضي أن يكون في صف العدو، ضد مصالح  وطنه، وليس الأمر متعلقا بلبنان وحده، وينسحب على بقية الدول، لكن لبنان المستهدف أكثر من غيره في هذا المجال، والتركيز عليه، منذ أن قام رجاله بتأسيس جبهة مقاومة أعدائه، وقدم التضحيات الجسام في مواجهة مؤامراتهم، حتى بلغ مستوى الرّدع، وبمعادلة القوة مقابل القوة، وبه تغيرت عقلية العربي المنهزم أمام الجيش الذي لا يقهر، إلى عقلية قد ولى زمن الهزائم وجاء زمن الإنتصارات، وما انتصارات رجال الله في 2000 و 2006 ، إلا دليل على تغير العقلية العربية والإسلامية في مواجهة الكيان الصهيوني، والتعامل معه بندية والتفوق عليه، كما عشنا وشاهدنا  .

ما حصل ببيروت درس، يجب على الجميع أخذه بعين الإعتبار، والاحتراز منه بالكفاءات، وحسن أداء الوظائف، وخدمة الأوطان بإخلاص ووفاء تامّين، إن التهاون والتقصير في محاسبة المتسببين في هذه الكارثة، يعتبر خيانة للوطن، وتواطئ مع المتورطين الحاق الضرر به، ولن تمر جريمة من دون عقاب مستحق، ليكون عبرة لكل مقصر أو خائن.