الفساد / أكبر خطر يهدد الديمقراطية في تونس

تونس – الجرأة نيوز: محمد عبد المؤمن

بات الحديث عن ازمة تعيشها تونس مصطلحا يتم تداوله منذ 2011 حتى صار اشبه باللازمة التي لا تغيب في أي تصريح او اجتماع او ندوة او مقال او برنامج سياسي.

الكل يتحدث عن الازمة وان بلادنا في وضعية صعبة.

الكل ايضا يتحدث عن الاقتصاد الذي يتهاوى.

لكن هل حقيقة اصل الازمة وجوهرها اقتصادي ؟

الحقيقة ان الازمة سياسية قبل ان تكون اقتصادية وهي ايضا ازمة مؤسسات ثم عقليات .

ما نرمي اليه هنا هو ان مفهوم الدولة ضرب منذ 2011 بداية باستغلال فترة ضعفها بعد سقوط النظام القمعي ثم وهو الاخطر بسبب تحالف السياسة والفساد .

البعض صار يتحدث عن دولة الفساد الذي تجاوز كل الحدود في تونس اليوم والبعض مازال يحمل املا في النجاح في القضاء عليه وان ما يحصل هو امر طبيعي يحصل بعد كل الثورات وتغيير الانظمة .

قد يقبل هذا التفسير سنتين او ثلاثة او حتى خمسا لكن الان سندخل في العقد الثاني بعد الثورة ونحن مازلنا نتحدث عن محاربة الفساد.

الفساد تحول الى مجرد حديث روتيني وكشفه دخل في العادي حتى ان الفاسدين لم يعد يعنيهم التشهير فهو جعجعة بلا طحين كما يرون.

 

تقارير مخيفة

 

للأسف الشديد فإن تقارير المنظمات الدولية والداخلية أثبتت أن حجم الفساد في تونس زاد بشكل كبير بعد ثورة 2011، فقبلها كانت مافيا الفساد مدعومة من السلطة والنظام ومنحصرة في عائلتي الرئيس بن علي وأصهاره، أي الطرابلسية، لكن بعد 2011 توسعت هذه الشبكة بشكل كبير ومخيف حيث ضخت الأموال الفاسدة في أحزاب ونخر الفساد أجهزة الدولة ومؤسساتها، وهذا بشهادة وإقرار الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد، لنصل اليوم إلى وضعية أقل ما يقال عنها كونها كارثية.

 

الوجه الآخر للفساد الذي تعاني منه تونس متعلق بالصفقات العمومية، حيث أكدت تقارير بما فيها هيئة مكافحة الفساد ودائرة المحاسبات أن 25% من قيمة هذه الصفقات يضيع على الدولة بسبب الفساد والتجاوزات

فالتجارة الموازية والتهريب يسيطران على أكثر من نصف الاقتصاد، ثم ليصل الفساد أيضًا إلى قطاعات حساسة مثل الصحة والأدوية، فبعد فضيحة دعامات القلب المغشوشة التي استخدمت في عمليات بمصحات خاصة ثم استقالة وزير الصحة حينها سعيد العايدي بعد ضغوط مورست عليه لأنه حاول فتح هذا الملف ومحاسبة الفاسدين، نصل اليوم إلى أن تشهد تونس لأول مرة منذ عقود نقصًا كبيرًا في الأدوية بما فيها المتعلقة بالأمراض الحياتية والخطيرة.

ومن أهم أسباب ذلك كون هذه الأدوية التي تقتنيها الدولة بالعملة الصعبة وتباع بسعر مدعم من الميزانية صارت تهرب إلى الخارج من عصابات لها أذرع في كل مكان، بما في ذلك في الصيدلة المركزية وهذا الملف مفتوح حاليًا وقد حصلت عمليات اعتقال وتوقيف لمتورطين لكن إلى حد الآن لم تكشف كل التفاصيل.

لكن الأخطر من كل هذا هو الفساد السياسي لأنه اصل الداء .

هذا الفساد يبدأ من الحملات الانتخابية والتمويلات المشبوهة وتجاوز القانون لينتقل الى يوم الاقتراع حيث يتحول الوضع الى سمسرة وسوق ودلال ودفع وأوراق دوارة.

كل هذا تكون نتيجته مجلس نيابي يجمع النطيحة والكسيحة وما أكل السبع وحتى ما ترك الضبع.

فما نراه اليوم في مجلس النواب هو نتيجة طبيعية للعملية الانتخابية في حد ذاتها والتي تقوم على الاشهار والتجربة فالشعب لا يختار الاشخاص بل يختار احزابا وقائمات نسبة كبيرة منهم على اساس الاستقطاب الثنائي ان كان ايديولوجيا او سياسيا .

فمن يكره النهضة ويخاف توجهاتها ينتخب خصومها ومن يناصرون النهضة هم كذلك مهما فعلت ومهما كانت اخطاؤها فالمقياس انفعالي صرف.

وسط كل هذا لا يكون غريبا ان نجد مهربا يتحول الى نائب وفاسدا رئيس كتلة ومشبوها وزيرا او مسؤولا يشار له بالبنان.

هذا المقال نشر في الجرأة الأسبوعية