الشباب التونسي اليوم محاصر: بين قوارب الموت و”جحيم” الفقر والبطالة وانسداد الأمل

تونس – الجرأة الأسبوعية : 

كم كانت عظيمة تلك الثورة التي فجرها الشباب التونسي منذ عقد مضى ظنا منه أنه بإزاحة دولة القمع والفساد فان تونس ستتحول الى جنة على الارض.

هذا التغيير الذي حصل لم يكن لينجح لولا امل في تحسن الظروف لان اساس تلك الثورة لم يكن الجانب السياسي بل الاجتماعي والاقتصادي وان كانت السياسة القاطرة التي تسحب كل هذا وتجره.

اليوم وبعد عقد مضى هل تحقق شيء في اول بلد يعرف ثورة ؟

في البداية سميت ثورة الياسمين واول ثورة عربية تقتلع نظاما قمعيا فاسدا لكن ذهب قلة من الفاسدين ليحل محلهم كثرة منهم.

سنتجاوز مسألة الانجازات المعنوية ونقصد هنا الحقوق والحريات وان تونس صارت تعلي من شأن الديمقراطية وحق التعبير عن الرأي وان الحقوق الفردية صارت مكسبا فعليا ملموسا وان تونس اول بلد عربي يقر حرية الضمير وغير ذلك.

كل هذا مهم جدا بل اكثر من مهم لكن.

المشكلة في لكن .

هناك اشياء تراجعت بشكل كبير ونقصد هنا الجوانب الاقتصادية والاجتماعية .

وأيضا النفسية.

في تونس اليوم صار هناك تونسان ان صحت العبارة الأولى لقلة من سياسيين واصحاب النفوذ والمال تعيش البذخ والرفاهة وترفه عن نفسهها بمعارك وهمية و وسطحية وتجعل من القنوات والاذاعات الخاصة حلبة للصراعات و التسابب والتشاتم والاثارة او ما يعرف ” بالبوز”.

وهناك تونس اخرى هي تونس التونسي الحقيقي في الأعماق وفي الداخل وفي الاحياء المهمشة او الشعبية حيث الفقر والبطالة والخصاصة والمعاناة الحقيقية وبين تونس الاولى وتونس الثانية هناك بون شاسع.

صحيح ان الشباب هو من فجر الثورة لكنه ايضا هو اكثر المتضررين منها.

اليوم البطالة في اعلى معدلاتها لتأتي جائحة كورونا وتزيد الوضع سوءا وتدهورا .

في تونس اليوم المقدرة الشرائية ضربت في الصميم وتحطمت ولم يعد هناك طبقة متوسطة كانت تمثل صمام الامان لتوازن المجتمع.

فالفقير ازداد فقرا والمتوسط نزل الى درجة وعتبة الفقر لكن في مقابل هذا فالأثرياء ازداوا ثراء .

 

قوارب الموت 

 

هذه الوضعية المتسمة بخلل واضح في توازن المجتمع انعكست على نفسية الشباب بأكبر قدر من اليأس والاحباط والحل صار الاتجاه نحو البحر بحثا عن الجنة المفقودة في اوروبا او على الاقل عن الامل الضائع أي ان سب العلق بالمكان والأرض زال او على الاقل ضرب.

لكن هذه الجنة لها ضريبة قاسية ومؤلمة لأنها كثيرا ما تنتهي بمآس وفواجع وبالموت في عرض البحر .

فالشاب المحاصر من كل جهة بالفقر والبطالة والتهميش لا يمكن أن تقنعه كون وطنه في حاجة اليه لأنه لم يجد له مكانا في هذا الوطن سوى في شعارات السياسيين وخطبهم وفي حملاتهم الانتخابية لكن عندما تنتهي بعد ان يكون السادة الاثرياء  والنافذين قد حققوا مبتغاهم تنسى كل الوعود لأنها في الحقيقة لم تكن وعودا بل اكاذيب وكلام يباع .

 

لامبادوزا حلم الشباب

 

صارت الهجرة عند الشباب التونسي مرتبطة بلامبادوزا الايطالية فالكل له طموح واحد وهو الوصول الى هذه المنطقة او الرقعة من اوروبا حيث ينتظره ” سعده وبخته” ليستيقظ هناك .

ما صار يلفت الانتباه في الاشهر الاخيرة هو ان قوارب الهجرة التي هي في الحقيقة قوارب الموت لم تعد حكرا على شباب عاطل بل ان اسرا بأكملها صارت تجازف بصعودها ومنهم من اصطحب رضعا واطفالا ونساء.

هذه الظاهر لها تفسير لا يمكن حصره في الفقر فقط فالفقر موجود منذ سنوات وعقود بل السبب الاخر المهم هو ان الامل مات ودفن عند التونسي الذي صار يفضل ان يغامر ويجازف بحياته في سبيل ان يخرج من هذا الوطن الذي لم يعد يرى انه وطنه بل وطن قلة لوحدها هي المستفيدة وهي التي تحتكر الثورة موظفة الثورة التي فجرها الشباب والذي كان اول ضحاياها.

هذا المقال نشر في الجرأة الأسبوعية