الأستاذ الطاهر بوسمة يكتب لكم: أحمد بن صالح الذي نودعه

كتب الطاهر بوسمة:

تلقيت ببالغ الأسى والحسرة نبأ وفاة المرحوم احمد بن صالح الذي نودعه اليوم نهائيا وكان قد ملأ الدنيا في حياته التي قضاها كلها يعمل ويجاهد لأجل خدمة البشرية كلها،

لم يكن عاديا مثلما كان يتصوره الكثيرون ممن لم ينصفوه في حياته وبلغ الامر بالبعض منهم بالإساءة له بدون سبب.

لقد كان في مسيرته كلها متميزا ومنذ صغره، اذ تيتم صغيرا بعد وفاة أمه وتربى في حجر زوجة والده بعدما تزوج لمرة ثانية من عائلة بالكحلة من طبلبة وبقي يحن اليها الفتى حتى بعد أن طلقها والده. وكان يتردد على طبلبة دائما وتحلو له القعدة في مقهى شعبي كان صاحبها يكنى (بالعضروط)  تناقضا مع حجمه الصغير وخفة روحه، ولم ينقطع المرحوم في قائم حياته عن زيارته كلما تحين له الفرصة حتى في أيام عزه ومجده وبعد عودته من الهجرة القصرية لأنه كان يجد في ذلك الشخص التناقض الذي يعجبه، كما بقي صاحب ذلك المقهى على وفائه له بالرغم مما ناله من تجريح ومضايقة بعد سقوط صاحبه.

لقد عرفته من قريب في مناسبة ما زلت اتذكرها منذ سنة 1965 لما كنت بعين دراهم معتمدا وقد زارها ذات مرة ملتحقا بعائلته التي سبقته لتقضي عطلة الشتاء مثلما تفعله بعض العائلات التونسية وقتها ترويحا على أبنائهم، ولم تكن وقتها المشاتي الأوروبية التي يتزحلق فيها اصحاب الثروات معروفة عندنا نحن الذين نخدم الدولة بمقابل يتناسب مع حالها وحالنا ولا يسمح لنا بالتفاخر.

لقد قضى 24 ساعة للراحة، وكنت أصحبه في جولاته تلك بالغابة التي كان معجبا بها مغتنما الفرصة للاطلاع على احوال السكان منذ تحمله لمسؤوليات كبرى كامين عام  للاتحاد آلتي تحولت له قيادته  باستشهاد فرحات حشاد.

تذكرت تلك الايام التي كانت تونس فيها حضيرة في مقاومة الفقر والتخلف ونشر التعليم وتوفير المسكن وهو الوزير المسؤول عن التخطيط والاقتصاد والمالية والتجارة والتنمية وكان يسعى لتغيير الاوضاع التي تركها الاستعمار قبل ان يخرج وخاصة في تلك الجهة المهمشة والتي لم تعرف من العيش الا الظلم المتعمد وخدمة اهداف المستعمر الذي اختارها مصطافا لابنائه.

من وقتها اعجبت به ولم اقبل بما جرى له من المعاناة التي تحملها صابرا بدون سبب مقنع.

لقد كتبت عنه سابقا مطولا ودونت ذلك في كتاب نشرته سنة 2015 قرأه في حياته وكانت اخر مكالمة جرت بيننا لمواساتي في وفاة ابنتي هالة منذ نحو سنتين معتذرا عن عدم الحضور لأسباب صحية حالت دون ذلك.

واليوم أكتب عنه ناعيا ولا يسمح لي المجال للتذكير بخصاله المتعددة والتي خلدتها الذاكرة ودونها التاريخ المنصف في الكتب ولا يمكن ان ننسى مأساته التي تكررت منذ ان دخل للمسؤوليات الكبرى سواء منها في النقابة أو السياسة عن صدق واقتناع سواء في اتحاد الشغل الذي لم يعد يذكر فيه اسمه أبدا أو في الحزب الحر الدستوري الذي في وقته بات اشتراكيا قبل ان يطرد.

كان من القلائل من الذين انضموا لحزب بورقيبة الذي انشق عن حزب عبد العزيز الثعالبي بقصر هلال بالرغم من بقاء المكنين التي ولد بها في أغلها على وفائها للحزب الاقدم.

وجاء في تاريخه المنصف انه كان ممثلا لحزب الدستور لما كان طالبا بفرنسا لدى المنصف باي بعد عزله ولازمه في منفاه لمدة وبقي وفيا لتاريخه ورايته يوما يروي ذلك بقصر قرطاج زمن المنصف المرزوقي وكنت فيه حاضرا.

لقد كان بارزا زمن توليه التدريس في المعهد الثانوي بسوسة وانخرط في الاتحاد العام التونسي للشغل، وكانت له مواقف ميزته عن غيره وبها اصطفاه فرحات حشاد وأرسله للمنظمة الدولية للشغل ببروكسل ممثلا للاتحاد، فاستفاد وافاد وعاد مكرها بعد اغتيال فرحات حشاد وحصول فراغ في قيادة تلك المنظمة، فتم الاجماع عليه لتولي قيادتها مؤقتا قبل اقرار ذلك في مؤتمر ديموقراطي جرى، ولكن الحزب وقتها رأى فيه استقلالية زائدة، فشجع المنشقين عنه لإزاحته في غيابه، ولكنه لم يتقوى بالشرعية وفضل القبول بالأمر الواقع لأنه راي ان تونس لم تكن تتحمل معركة زائدة في وقت مازالت فرنسا تتحكم في الامن والادارة.

لم تغب عن بورقيبة قيمته وقتها فعهد له بوزارة الصحة التي أظهرت خصاله وقام بإصلاح ما يمكن اصلاحه معمما التلقيح الاجباري عن الجدري والحصبة وامراض السل والرمد في العيون الذي كان يؤدى لفقدان البصر، فبات دواؤه يباع بمحلات التبغ بأسعار زهيدة أدركتها، وكل ذلك جرى في مدة قصيرة شجعت بورقيبة على تعيينه وزيرا للتصميم بعدما كان متشككا في اخلاصه بسبب ما كان يروج عنه من ميول يسارية، جرت بسبب التقرير الاقتصادي الذي قدمه في مؤتمر اتحاد الشغل وعلى اساسه خلع في غيابه لما كان في زيارة عمل للمغرب.

لقد كلفه بورقيبة من وقتها بالتخطيط الذي كان رائجا وقتها في اغلب البلدان، فقدم له نسخة من ذلك التقرير للمرة الثانية مشترطا ان يعمل على اساسه. فقبل بورقيبة بذلك.

كانت تلك هي القصة التي أوصلت احمد بن صالح لتولي كل الوزارات لاحقا والتي لها علاقة بالاقتصاد والمالية التجارة والفلاحة وخيرا التربية.

وأشهد انه كان جادا وصادقا، ولكن تلك الخطة ادخلت عليها عوامل داخلية وخارجية أفشلتها، لأنها لم تكن شعبية أولا ثم أنها لم تكن تتماشى مع مصالح البعض ممن كانت لهم مصالح ومنهم فرنسا آلتي بقيت تتحكم في مصيرنا.

وهكذا وبعد كل المؤامرات التي وقعت وانحباس الامطار لسنوات، فشلت تجربة التعاضد التي لم يتقبلها الشعب أيضا في اكثره،

لقد تم التراجع في تلك السياسة التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر الحزب بنزرت بالإجماع وباركها بورقيبة في كل خطبه، بل عكرها بالدفع للتسرع الذي أفسدها وتحميل نتائجها لأحمد بن صالح وحده، وحكم عليه بدون سبب او منطق بالسجن المضيق بعدما تم التشهير به، وقد دفع به ذلك للهروب من محبسه لما شعر بالخطر الذي بات يهدده.

ولكنه لم يتنكر لما قام به ولم تثبت عليه اي تهمة سوى كثرة استقامته وبراءة ذمته مما روج ضده من الاكاذيب التي جدت على الشعب المغفل فبتنا نقطف ثمارها الى اليوم الذي اكتب فيه هذه المرثية ترحما عليه ورفعا للبعض ممن روج عنه كذبا.

وفي النهاية لا أملك الا ان اتقدم لعائلته ولأصدقائه وكل المنصفين ممن بقوا على العهد بتعازي الحارة راجيا من الله ان يثيبه ويجازيه أحسن الجزاء عن كل ما قدمه للبشرية عامة وانا لله وانا اليه راجعون.

تونس في 16 سبتمبر 2020