محمد الرصافي المقداد يكتب/ من هم أعداء إيران؟ وما حقيقة أطماعها ؟

بقلم: محمد الرصافي المقداد

لم تنفك وسائل الإعلام العالمية السمعية والبصرية، والمكتوبة والرقمية، ووسائل التواصل الإجتماعي، تتناقل من مصادر غير جديرة بالثقة، تهما مختلفة موجّهة لإيران، وأخبارا مسيئة لها، تبدو في ظاهرها بشبهة وجاهة،  لكنها في باطنها تخفي زيفا وتشويها لأهدافها المعلنة، تحتاج من الباحث عن حقيقة إيران وما يروّج عنها، أن يبذل فقط قليلا من الجهد، ليستجلي ما عملت منظومة تشويهها على إلصاقه بنظامها، الذي استفز بسيرته منظومة غربية كاملة بتوابعها، وحتى نستجلي مصادر الدعاية والتشويه المشنة ضد إيران، يجدر بنا التعرف على أعدائها أولا، ذلك أنهم بلا شك المرابون في ميادينه، بوسائلهم الإعلامية الضخمة المهيمنة على العالم.لم تكن إيران في عهد الأسرة البهلوية، سوى تابع مطيع ومخلص للغرب، وأقصد به تحديدا بريطانيا وأمريكا، ومخطئ من يعتقد بانفكاك هذا التوأم الشرير عن بعضه الى اليوم، لذلك فإن أي تغيير لنظام حكمها في غير صالحهما، يعتبر خسارة كبرى، باعتبار الدّور المركزي والهام، الذي كان يقوم به شاه إيران في المنطقة ككل، حماية لمصالح أسياده الغربيين، وباعتباره ذلك العبد المخلص، فقد حضي بالتكريم والتبجيل من طرف دول التبعية الأخرى، التي كانت عندما تستقبله في بلدانها تقيم له الاحتفالات وهو المطاع الذي لا يردّ له طلب.

لكن وضع ايران تغير 180 درجة، عندما اسقط الشعب نظام حكمه، بعد ثورة فريدة قادها رجل دين كسب ثقته، واستبدله بنظام إسلامي، اقترحه في استفتاء على الشعب الإيراني، يوم 30 و31/3/  1979 بنسبة موافقة عليه بلغت 98.2 %  من شانه أن يحول هاذين البلدين الاستعماريين، من أولياء لايران الى اعداء الدّاء، وتجربة الشعب الايراني في الثورة الدستورية لمحمد مصدق 1953، اثبتت انه يجب الالتفات الى ما يمكن ان يقوم به العدو، اذا لم يحسب له حسابا، وكذلك وقع وذهبت امال الشعب ادراج الاطاحة بمصدّق، خطط له الانقليز والامريكيين ونفذوه، ابقاء على نفوذ  خادمهم الشاه.

وفي حكمة بالغة للامام علي قال فيها: (اذا خفت من شيء فقع فيه) طبقها الايرانيون على السفارة الامريكية، فاقتحمها الشباب الثوري، واخذوا طاقمها رهائن، وغنموا منها وثائق سرية تدين امريكا، ليس في ايران فقط، بل وفي المنطقة باسرها، وهكذا اغلقت السفارة الامريكية، وقطعت العلاقات الدبلماسية بين البلدين، تخلصت فيه ايران من وكر جاسوسية وتآمر، كان سيشكل خطرا جدّيا، لو بقي يعمل في طهران.

ومنذ ذلك التاريخ، وما أعقبه من فشل عملية (مخلب النسر)  العسكرية الامريكية، التي محقتها عاصفة رملية شديدة بصحراء طبس، لم يخطر على بال الأمريكيين، فازداد عداؤهم للنظام الاسلامي، وكلما فشل لهم مخطط ، ارتفعت نسبة ملوحة مؤامراتهم وأحقادهم من مستنقعهم الآسن.

العدو الاخر لايران هو الكيان الصهيوني، الذي لقي نفس مصير السفارة الامريكية تقريبا، فقد وقع طرد البعثة الدبلوماسية الصهيونية، ثمانية أيام فقط بعد انتصار الثورة الاسلامية، وتحويلها الى سفارة دولة فلسطين، وسلم مقرها الى منظمة التحرير الفلسطينية، في بادرة لم يجرؤ عليها احد في ذلك الوقت.

اجراء شجاع جدير بالتقدير، خصوصا اذا عرفنا ان احد اهم اولويات واهداف الثورة الاسلامية، التي قادها الامام الخميني، هو تحرير فلسطين بالكامل، وهو مطلب اساسي تمسكت به، واصرت عليه ايران حكومة وشعبا، وضحّت وقدّمت من اجله، ولا تزال الى اليوم كل عزيز عليها، يكفي ان نستعرض تصريحات قادة فصائل المقاومة الفلسطينية، الممتنّة والشاكرة لفضل ايران عليها، والاموال والاسلحة التي قدمتها الى المقاومين في غزة، قلبت معادلة عربدة الجيش الصهيوني، الى عجز عن اختراق القطاع باعتى دباباته، فصواريخ فجر 4 و5، وقذائف الكورنيت المضادة للدبابات، كانت من بين الدعم الذي قدمته ايران لأشقائها المقاومين في فلسطين، وما خفي على الاعداء أعظم.

نعم ان لايران اطماع واماني تريدها ان تتحقق في المنطقة، وكل ما تسعى اليه، بكل قناعة وجهد، ودون ان تخفي شيئا منها، يتمثل في:

اولا: تحرير فلسطين كامل فلسطين، بنفس القوة التي اغتصبت بها واشد، فايران لم تقف ضد مسار التسويات والمفاوضات، وتعتبرها خيانة للقضية، وخدمة بائسة لبقاء العدو الصهيوني على ارض فلسطين فقط وإنّما فتحت مجال الاعداد ليوم التحرير، فأعلن الامام الخميني آخر جمعة من شعر رمضان يوما عالميا للقدس، تذكيرا بأهمّيته في حياة الامة، واعلانا متواصلا بمظلومية الشعب الفلسطيني، وكان تأسيس فيلق القدس لتحرير فلسطين سنة 1980 والذي اضطلع بمهام عديدة منها محاربة الجماعات الارهابية، وإسهامه الكبير في شل حركتهم ودفع خطرهم والقضاء عليهم، في ايران والعراق وسوريا، وقريبا سيؤدي المهمة الأساسية التي تأسس من اجلها، وهي تحرير فلسطين.

ثانيا: تحرر الشعوب العربية والاسلامية، من هيمنة وسيطرة امريكا والغرب والصهيونية، سواء منها السياسية أو الاقتصادية، أو الثقافية، والشعوب التي تبقى تحت تأثير هذه الدول الاستعمارية، النّاهبة لثرواتها، لا تعتبر حرّة.

تمسك ايران بمواقفها واصرارها على المضي قدما نحو اهدافها، جعلها عرضة لنقمة الغرب ومؤامراته ضدها، من اجل ثنيها عما عزمت عليه او اسقاط نظامها، اذا أتيحت له فرصة لذلك، وان هؤلاء الاعداء المتحالفين ضدها، سيغيرون تماما من مواقفهم المتشددة منها، اذا ما تراجعت ايران خصوصا عن  موقفها من القضية الفلسطينية، ووافقت الرغبة الامريكية والصهيونية والغربية، وما يسمى بالمجتمع الدولي، في الابقاء على الكيان الصهيوني مسيطرا على فلسطين، وغصة في قلب الامة العربية والاسلامية، عندها سيهدأ غضب ترامب، ويبادر سريعا الى رفع عقوباته عن ايران بشكل كامل، ويدعو قطيع العمالة الى العودة للعمل بنظام الحفاوة والتبجيل بإيران، كما كانت من قبل على عهد الشاه، هذه الامنية الغربية تبدو مستحيلة التحقق، بالنسبة لنظام حدد أهدافه بدقة، ولن يتراجع عنها مهما بلغت الاغراءات، واعتقد ان تحرير فلسطين، سيكون بمساهمة فعالة من قوم سلمان المحمدي.

هذه هي ايران، وهذه كما بينت اهدافها، التي حولها من حولها الى اطماع، وهؤلاء اعداؤها الحقيقيون، ولا مناص لنا من ان نختار مع من سنقف؟ والمتفرج على الربوة، لا لهؤلاء ولا لهؤلاء، ليس بمنأى عن تبعات الخذلان.