كناترية وأعوان عموميون يمتلكون قصورا بالجنات الضريبية والامارات بعضها سعره يفوق 20 مليارا …تهريب وتبييض أموال

تونس – الجرأة نيوز : محمد عبد المؤمن

راجت في الفترة الأخيرة ما اعتبر فضيحة فساد كبيرة تتعلق باقتناء 24 شخصية تونسية لشقق فاخرة في اسبانيا في مدينة أليكانتي التي تعرف بكونها مدينة الأثرياء.

هذا الملف انتشر باعتباره ارتبط بتبييض اموال وتهريب العملة حيث ان المبالغ التي دفعت لقاء هذه العقارات تم من غير تحويلات بنكية رسمية وهو ما يعد جريمة ترتبط بتبييض الاموال .

المعلومات تؤكد ان الملف تم العمل عليه منذ فترة والملف برمته سوف تتم احالته الى القطب القضائي المالي.

هذا الملف رغم خطورته ما هو الا الشجرة التي تغطي الغابة كما يؤكد احد الخبراء في المجال وهو عينة بسيطة من الفساد المستفحل في القطاع المالي وتحديدا في تهريب مواردنا من العملة الصعبة الى الخارج والتي كان من الممكن ان تمثل انقاذا لتونس من وضعيتها المالية والاقتصادية الصعبة.

 

الجنات الضريبية  مقصد الأثرياء

 

الامر لا يتعلق بسؤال من اين لك هذا فقط فهو تساؤل هام جدا لكنه ينتقل ايضا الى سؤال آخر وهو اين حق الدولة فيما تملكون ومن اين تاتت تلك الاموال الضخمة التي قدرها احد مراكز البحث بامريكا بما يفوق 150 الف مليارا على مر السنين.

 

قد يقول البعض ان هذه الأموال التي نتحدث عنها قد تكون مشبوهة بل مؤكد كونها كذلك فهل يعني هذا ان تتنازل الدولة عن حقها فيها وحق مواطنيها في الحصول على الضرائب منها

 

من هنا فالملف متشعب كثيرا فهو ينطلق من مصادر الاموال وطرق جمعها ثم طريقة اخراجها خارج تونس ثم عدم انتفاع الدولة منها مطلقا في مقابل تحويلها الى بنوك أجنبية لتفتح حسابات بالعملة الصعبة او تحول الى استثمارات عقارية من خلال شراء العقارات الفاخرة والباهظة الثمن او احداث شركات بالجنات الضريبية والمناطق الحر مثل جبل علي وراس الخيمة والجزر البريطانية العذراء وجزر كايومون وجزر الموريس والسيشال مقر اقامة صخر الماطري ومالطا ولوكسمبورج وجرزي والقائمة طويلة.

 

نشير بهذا الخصوص الى ان مرصد الشفافية والحوكمة الرشيدة طلب من البنك المركزي مده بحجم الاموال المحولة والمتاتية من الجنات الضريبية والمناطق الحرة بالامارات الا انه رفض وهذا الرفض له دلالات اكثر من خطيرة، علما ان هذا الملف الخطير تم التستر عليه الى حد الان. وحتى الحكومات المتعاقبة بعد 14 جانفي 2011 رفضت الى حد الان تفعيل اتفاقية المساعدة الادارية المتبادلة لمنظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي التي صادقت عليها تونس سنة 2012 والتي كان بالامكان استغلالها لاسترجاع الاموال المنهوبة.

 

في الغرب فتح الملف وما نقصده حول الارتباط بين القيم والاخلاق والضرائب أي هل يجوز للدول ان تطالب بالجباية بعنوان الاموال المشبوهة والمتاتية من جرائم ؟ النتيجة تم التوصل اليها  قضائيا  حيث فصل الملف كون الضرائب تجبى من الاموال بغض النظر عن مصادرها اما الملفات الاخرى فهي من مشمولات القضاء .

 

في تونس يطرح الملف من هذه الناحية ايضا أي هل يجوز الحديث عن ضريبة من اموال تبدوا مشبوهة بل هي كذلك في الغالب ؟

 

في الحقيقة لا يمكن التعامل مع الملف من هذه الناحية فما يتم هو سرقة لموارد الدولة من العملة الصعبة وتحويلها الى الجنات الضريبة والبنوك الخارجية والدولة هنا مطالبة بل من واجبها الدفاع عن مصالح شعبها والحصول على المستحقات المطلوبة. نشير بهذا الخصوص الى ان ملف الاموال المنهوبة تم التلاعب به وهو ملف فساد بامتياز كان على وزير مكافحة الفساد التعهد به. فلقد تم التعامل معه باهمال تام وتم اهدار المال العام في اطاره من خلال اتعاب المحامين الاجانب التي دفعت دون موجب ودون فائدة وارتكاب اخطاء اجرائية قاتلة والسفرات السياحية التي يقوم بها من حين لاخر بعض عديمي الضمير والكفاءة.

 

لنفهم الامر اتصلنا بمختص في المجال فاكد لنا ان الحكومات المتعاقبة متورطة في ملف الاموال المهربة والتي تهرب الى حد الان الى الخارج باعتبار انها لم توظف المعاهدات الدولية ولم تستانس بالممارسات الفضلى في المجال ولم تتعض من خلال الاخطاء التي ارتكبتها الدول الاخرى المتضررة علما انها موثقة بمنشورات البنك الدولي والامم المتحدة. كما انها رفضت سد الثغرات الموجودة بالتشريع التونسي ولم تبذل أي مجهود لمعرفة ممتلكات كل التونسيين بالخارج.

 

فالولايات المتحدة اقرت منذ 2010 ما عرف بقانون ” فاتكا” أي قانون الامتثال الضريبي للحسابات الخارجية والذي يلزم كل الدول بالامضاء على ذاك القانون بغاية مد السلطات الامريكية بمعلومات بخصوص حسابات وانشطة الامريكيين او المقيمين بامريكا، علما ان الدول التي لا تصادق على ذاك القانون تبقى التحويلات المالية الموجهة اليها من امريكا خاضعة لخصم من المورد بنسبة 30 بالمائة. هذا القانون وضع أساسا للمحافظة على حقوق الخزينة العامة بالولايات المتحدة الامريكية في الاموال التي تستثمر من امريكيين خارج بلادهم. من هنا فقد سارعت اغلب البلدان الى التوقيع

 

السؤال هنا : ماذا فعلت تونس للتصدي لعمليات التهرب الضريبي من تونسيين يحولون اموالهم للخارج وحتى اجانب يستثمرون في تونس.

 

نعود هنا الى المسالة الاصلية وهي التهرب الضريبي لتونسيين من الذين تحولوا الى اثرياء بطرق مختلفة. فرغم ان هناك شرفاء جمعوا ثرواتهم بطرق مشروعة وهؤلاء ملزمون بان يخضعوا لواجب دفع ضرائبهم كاملة للدولة التونسية حتى وان كانت استثماراتهم خارجية، فان هناك كثيرا من الاشخاص جمعوا ثروات ضخمة بطرق غير مشروعة او على الاقل مشبوهة ونقلوها الى الجنات الضريبية والمناطق الحرة والمشبوهة كالامارات لحمايتها والمحافظة على سريتها وسرية مصادرها.

 

من هنا صار لزاما تفعيل قانون من اين لك هذا لتعرف مصادر الثروات لكن مع هذا هناك مطلب آخر وهو ضرورة التصريح على المكاسب بما فيها الخارجية لان الاموال المشبوهة يكون مصيرها الخارج، علما ان القانون  المتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح لم يتضمن بندا يسمح للسلطات التونسية بمساءلة أي مواطن (موظف عمومي او لا) بخصوص مصدر ثروته وهذه ثغرة كبيرة تم الابقاء عليها بصفة متعمدة من قبل الحكومة ونواب الاحزاب الحاكمة (النداء والنهضة) عند سن ذاك القانون الفاسد والمخالف للمعايير الدولية.

 

أملاك ضخمة في الخارج

 

ما طرح حول ال 24 شقة التي تم اقتناؤها من قبل اثرياء تونسيين في اسبانيا هو عينة فقط لان هناك ما هو اخطر بكثير حيث اكد لنا مصدرنا ان عدة عدة دول صارت ملاذا للأثرياء التونسيين الجدد وحتى من جمعوا ثرواتهم في فترة بن علي بطرق مشبوهة وفاسدة بما فيها التهريب وتجارة المخدرات. فالعديد من التونسيين لهم على سبيل المثال لا الحصر يخوت بمالطا تقدر قيمة الواحد منها بمئات المليارات. هؤلاء استغلوا ثرواتهم لشراء عقارات باهظة الاثمان في عدة دول منها دبي ومنها ما يفوق سعره 20 مليون دينارا.

 

السؤال هنا : هل صرح هؤلاء باملاكهم في الخارج لدى البنك المركزي ؟

 

الجواب بمنتهى البساطة لم يفعلوا وما ساعدهم على ذلك عدم بذل الحكومة أي مجهود للتعرف على هوية هؤلاء وتقفي اثرهم بكل الطرق والوسائل وكذلك عدم وضع اطار قانوني واضح وصارم للتصدي لتلك الاعمال الاجرامية في حين ان اغلب الدول التي تحافظ على مصالحها سنت قوانين تضمنت عقوبات بدنية ومالية صارمة. فالمواطن الفرنسي مثلا ملزم بالتصريح بمكاسبه ومداخيله في أي دولة خارج فرنسا ودفع ما قد يستوجب من ضرائب والا تعرض لعقوبة بالسجن لمدة 7 سنوات وخطية جزائية مالية مقدارها مليوني يورو.

 

هل من المعقول والمقبول ان يتمكن الفاسدون بتونس من احداث شركات صورية بالمناطق الحرة بالامارات وبعض النواحي السويسرية التي تعد جنات ضريبية يهربون بواسطتها الى حد الان مواردنا من العملة الصعبة من خلال فواتير مضخمة بصفة خيالية مقابلا البضائع المتروكة التي تجاوزها الزمن التي يصدرونها لشركاتهم بتونس لتباع في المساحات الكبرى والسوق الموازية. لماذا رفضت السلطات التونسية اتخاذ أية اجراءات للتصدي لتلك الجرائم الخطيرة ؟

 

هل من المعقول والمقبول ان لا تبذل السلطات التونسية اية مجهودات لمعرفة املاك ممثلي الدولة في الشركات البترولية وكل من لهم علاقة بالعقود النفطية بالخارج ونمط عيشهم وحساباتهم البنكية وممتلكاتهم بتونس واماكن دراسة ابنائهم ؟

 

هل من المعقول والمقبول ان لا تنص مجلة الاجراءات الجزائية على عدم سقوط جرائم الفساد بمرور الزمن وبالاخص تلك المتعلقة بالكسب غير المشروع ونهب المال العام مع منح الفاسدين امكانية اجراء صلح مع الدولة بعد الاعتذار وجبر الضرر ؟ ان الية سقوط الحق بمرور الزمن هي شكل من اشكال التبييض القانوني للاموال المتاتية من جرائم الفساد وهذا مخالف لاتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد.

فسن قانون شبيه بقانون “فاتكا” او القانون الفرنسي سوف يدر على خزينة الدولة اموالا طائلة لكن السؤال هنا : هل هناك ارادة لوضع الاطار القانون المتطور والاستراتيجية الملائمة والذكية لكشف حسابات واملاك ومصالح التونسيين بالخارج ؟

هذا هو السؤال المحوري وهو ملف آخر سناتي عليه لاحقا.