كتب محمد رصافي مقداد / من يصدّق الغرب تابع لهم

بقلم: محمد الرصافي المقداد

لقد عبّر الغرب عن عداوته واستعماريته، منذ بداية الحروب الصليبية التي شنها على المسلمين (1096-1291م)، بذريعة وقف هجمات السلاجقة العثمانيين على غرب أوروبا، وفيما كان السلاجقة يرفعون شعار التوحيد الاسلامي كذبا وافتراء فيرتكبون تحته المذابح بحق الشعوب المسيحية، قابلهم المسيحيون برفع شعار الصليب دفاعا عن عقيدتهم، ومعاملة بالمثل فيما ارتكبه السلاجقة، وكانت حملاتهم ذات عناوين مختلفة، باختلاف المشاركين فيها، استدراجا للشعوب الأوروبية وتأثيرا عليهم، كحملة (مؤمني القدّيس بطرس fideles Sancti Petri ) أو (جنود المسيحmilites Christi) ويستخدمون غالبا إسم (الحجاج المسلحين)، عندما يرفعون شعار (الطريق إلى الأرض المقدسة iter in terram sanctam ) (1)

انتهت تلك الحملات بعناوينها الكاذبة، عندما وافق الأيوبي على الصلح مع ملك انقلترا ريتشارد قلب الاسد فيما عرف بصلح الرّملة 1292م، على ان تكون القدس للمسلمين مع السماح للمسيحيين بزيارة كنائسها واماكنهم المقدسة، في مقابل حصول المسيحيين على الساحل، من من صور إلى يافا، بما فيها قيسارية وحيفا وأرسوف وانطاكية وطرابلس، وكانت النتيجة استعادة القدس، مقابل التفريط في ساحل فلسطين والشام.

حروب اشعلها الحكام باسم الدين، وهي ابعد ما تكون عنه، اكتوت بها الشعوب، وفتكت بالملايين من شبابها، بلا فائدة تذكر، سوى زرع العداوة والبغضاء بين البشر باسم الدين، والدين من ذلك براء.

أما في هذا القرن والقرنين الماضيين، فإن نفس نزعة التوسّع التي كانت سائدة، ومسيطرة على سياسات الدول الإستكبارية، قد توارثها خلفهم وبقيت حيّة في صدور حكامهم، تحركهم نحو التوسّع والعدوان، لتبقى العقلية الاستعمارية سائدة بين عالمين، عالم غربي مهيمن، سبق إلى النموّ والتطور العلمي والصناعي، وعالم متخلّف خامل، حكمه خاملون عديمي الهمة، جامدي التفكير، لعل ذلك عائد إلى الامبراطورية السلجوقية، التي تحكمت في المشرق والمغرب العربي، على أساس التبعية الدينية لدولة الخلافة العثمانية، فتجددت حملات الغرب مرة أخرى، ولكن هذه المرة تحت عناوين مغايرة، منها الحماية التي عنونت احتلال فرنسا لتونس.

وبإعلان استقلال دول أفريقية، ومنها جمهورية مالي، بداية من النصف الثاني من القرن الماضي، بدأت مظاهر الإستعمار الجديد تبرز على الساحة السياسية لكل دولة، بحسب ثروات تلك البلدان، ومنها  جمهورية مالي الغنية بمناجم الذهب واليورانيوم، فبقيت سيطرة فرنسا على هذه الدول قائمة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وبينما تعتبر مالي من أفقر دول العالم في احتياطي الذهب، رغم وجود أكثر من 50 منجما على أراضيها، تعتبر فرنسا من أوائل الدول امتلاكا لاحتياطي الذهب، ولا شك بأن مصدره مستعمراتها، وفي مقدمتها جمهورية مالي.

ولكي تسمرّ هيمنة الدول الاستعمارية، جاءت صناعة الارهاب التكفيري، التي سمحت بأن تحتضن بلدانها، مجاميعه الناشطة في مراكز اسلامية، سهرت عليها مخابراتها مع شيوخ الوهابية، القادمين من بلاد الحجاز، فنشأت عشرات المراكز في الغرب، ومنها بدأ مشروعه في العالم الإسلامي، بدأ من نشر الفكر التكفيري، وانتهاء بخلق حالة من الفوضى وعدم الإستقرار في تلك البلدان، والعمل على زعزعة أمنها واسقاط انظمتها، ولم تكن داعش والنصرة وغيرها من المسميات المعنونة اسلاميا، سوى صنائع ارهابية برعاية غربية، أقرت بها هيلاري كلينتون واستعملها ضدها ترامب كسلاح دعائي للفوز بالانتخابات.

هذا وقد نشرت صحيفة (صنداي تايمز The Sunday Times ) البريطانية تقريرا أعده (ماثيو كامبل Matthew Campbell ) ذكر فيه أن منطقة الساحل الافريقي ( مالي النيجر السنغال بوركينا فاسو وموريتانيا) تحولت الى مستنقع عسكري فرنسي(2)، تماما كما تحولت أفغانستان والعراق مستنقع عسكري لأمريكا وبريطانيا، وتواجد قوات حفظ السلام في تلك المناطق بقيادة فرنسية، باعتبار أغلبية العناصر الفرنسية، العاملة تحت لوائها الأممي، ليس من أجل حماية تلك البلدان وشعوبها من الجماعات الارهابية، كما يعتقد ذلك من لا المام له بحقيقة ما يجري هناك، فأعمال القتل الممنهج للمدنيين، الذي مارسته الجماعات الارهابية، وتدمير التراث الاسلامي في (تمبكتو (Timbuktu شمال مالي، يدعو الى التساؤل عن طبيعة واهداف هذه الجماعات، التي تلتقي تماما مع اهداف فرنسا وبريطانيا وامريكا، وبقية الدول الغربية الاستعمارية، في إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار للدول الغنية بمدّخرات الطاقة والمناجم في البلاد الاسلامية.

استغلت مليشيات مسلحة دعمتها فرنسا مثل المتوكلون على الله وحراس الغابة الحرب لتصفية حسابات اثنية قديمة، وفي العام الماضي ذبح 160 شخصا في قرية أوغوساغو(3) وتعرضت مرة اخرى بعدها فقتل 35 اخرون، لقد كانت مذبحة رهيبة كان بإمكان الجيش المالي وقوات حفظ السلام (فرنسية) ايقافها، هذا ولم يكن قتل الفرنسيين ل(عبد الملك الدروكالي) احد زعماء الجماعات الارهابية في مالي، سوى ذر رماد على العيون، تغطية لدور فرنسا المشبوه هناك.

تقول كورنين دوفكا مديرة ميومان رايتس ووتش غرب افريقيا: “لا تخشى الميليشيات المسلحة العقاب عما ترتكبه”

لقد باتت نظرية (الفوضى الخلاقة Creative Chaos) التي تحدّثت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية، إلى صحيفة) الواشنطن بوست The Washington Post) في شهر نيسان 2005، أسلوب خبيثا للهيمنة على مقدّرات الدول الأفريقية الضعيفة، اسلوب لم ينجح كما هو مخطط له في الشرق الأوسط، لكنه يبدو ناجحا في افريقيا، بمساعدة وصمت دولها، الخاضعة لفرنسا بعد استقلال صوري، وما يأمله كل افريقي حر اليوم، أن يُخرِج الانقلاب العسكري، الذي أطاح بنظام الحكم في مالي البلاد، من حالة التبعية السيّئة، الى الاستقلال الحقيقي، والى رحيل القوات العابثة بأمنها وثرواتها.

 

المصادر

1 – حملات صليبية

2 – صنداي تايمز: الساحل الأفريقي بات مستنقعا لفرنسا

3 – نتائج أولية حول مقتل نحو 160 شخصا وسط مالي

4 – صنداي تايمز: الساحل الأفريقي بات مستنقعا لفرنسا