كتب محمد الرصافي المقداد/ انتخبوك أم لم ينتخبوك عليهم أن يحترموك أخلاقا وقانونا

بقلم: محمد الرصافي المقداد

الإساءة الموجهة عمدا الى رئيس الجمهورية قيس سعيد، أصبحت حالة متعمدة، وتتكرر كلما وجد أصحابها فرصة للحط من مقامه كقائد لتونس، فهي ليست عفوية بتكررها، ولا اشك لحظة أن وراءها من يدفع اليها على الصعيدين الاعلامي والشعبي، هدفها أصبح واضحا، وهو سحب ثقة التونسيين منه واسقاط شعبيته، بجرأة من تجرأ عليه، كما حصل له أخيرا عند مدخل سفارتنا بباريس، على الرغم انه لم يصدر منه ما يوجب ذلك التهافت السخيف والوقح عليه.

ولكي اضع النقاط على حروفها  بهذا الخصوص، لا بد لي  أن أعود الى الانتخابات الرئاسية الاخيرة، التي نجح فيها الرئيس قيس سعيد نجاحا كبيرا، أوقفنا عند نقطة مهمة في التجاذبات السياسية الحاصلة، تمثّلت في القناعة الشعبية التي بدأت تكبر، في سحب الثقة من مرشحي الاحزاب، وداعميهم من القوى السيئة والشريرة الداخلية والخارجية، في مقابل تنامي كتلة شعبية مستقلة استقلالا فعليا – وليس صوريا تتحكم فيه أهداف الاحزاب ومصالحها الضيقة- سيكون لها ثقل ودور مهمّ مستقبلا، في صياغة الحكم والسياسة في البلاد على أسس صحيحة.

ما لفت انتباهي وانا بصدد كتابة هذا المقال، انطباع بليغ ذكره الرئيس قيس سعيد عندما كان يقدّم دروسه في القانون لطلابه في الجامعة، كتبه في آخر ورقة امتحان قام بإصلاحها قال فيها: (أعلم أن نصف نقطة قد تحدد مصير طالب بل عائلة، كنت حريصًا على المساواة بين الجميع، وأرجو أن أكون قد وفّقت، وليشهد الله أنني لم أظلم أحدًا، ولو مثقال حبة من خردل، وأنا أضع في الحسبان أنني سأقف بين يديه سبحانه وتعالى، يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون)(1)

 

جرأة من تجرأ على الرئيس قيس سعيد، وسط الاجواء من الحرية التي نعيشها ما بعد ثورة 14 جانفي، ليس مردّها هؤلاء المجترئين عليه، ولو كانوا كذلك في سلوكهم زمن الدكتاتور بن علي لعذرناهم على شجاعتهم، ولما قلنا شيئا على اقتحامهم هذا المجال، لكن المصيبة أنه لم يصدر منهم صوت نكير أو معارضة لسياساته الخاطئة، سنوات الخضوع خوفا الا ما رحكم ربك، بل لعلهم كانوا من أنصاره، وفي احسن الحالات من الذين انعقدت السنتهم عنه، فخرست من بطشه أصواتهم، فلم ترتفع سوى في هذا الزمن، الذي اختلط فيه الصادق على قلته، بالكاذب على كثرته ارتفاعا مقلقا، تجاوز حدود الأخلاق والقانون.

على سبيل الذكر والتنويه به، لعله يكون مثالا يحتذي به المسيؤون في تونس لشخص الرئيس، كانت قناة الشروق الفضائية الجزائرية، بثت حلقة من سلسلتها الفكاهية (دار العجب)، اساءت فيه لتونس وللرئيس قيس سعيد، فلم تمرّ الحلقة دون ردّ فعل مسؤول، صدر من مجمع الشروق الاعلامي، في شكل بيان اعتذار جاء فيه:  (ان الحلقة الثالثة من “دار العجب” أحدثت تداعيات غير مقصودة تمامًا وأخذت أبعادًا وتأويلات ربّما خدشت في عمق العلاقات الأخوية الثنائية بين الشعبين الجزائري والتونسي، وأساءت إلى رصيد مؤسسة الشروق نفْسها، واذ تُعرب الإدارة العامة لمجمع “الشروق” عن بالغ اعتذارها الصادق للأشقاء في تونس الحبيبة دولة وشعبًا عن أيّ إساءة مُحتملة).

وكإجراء احترازي وتأديبي، أعلنت المؤسسة عن فتح تحقيق مستعجل في هذه القضية، وأمرت بإسقاط السلسلة الفكاهية “دار العجب” نهائيّا، من الشبكة البرامجية لها، وحذف حلقاتها السابقة، من منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

الحرّية لمن يفيها حقّها في هذا العصر الجديد، ليس معناها أن تتجاوز حد القانون والاخلاق، فتسيء الى غيرك، مهما كان صغر حجمه وموقعه في البلاد، فحقّ المواطنة يمنع من أن يُنتهك حقه، والرئيس له حقوق علينا كما لنا عليه، تجب مراعاتها من أجل تمام مضي الحكم ودوام صلاح الحال، هذا ولم نرى من الرئيس ما يدعونا للتشكيك في صدقه، أو اتهامه بما ليس فيه من خطأ، ومدّة حكمه قد اعترى بدايتها البطئ المتعمد، ممن يروم افساد الديمقراطية في تشكيل الحكومة، زادتها جائحة الكورونا طولا، في ترقب ما ستعطيه من اصلاحات، دون أن ننسى أن نظام الحكم الذي نعيش تحته برلماني، يكبّل رئاسة البلاد، ولا يترك لها مجالا للعمل، وصلاحيات الرئيس محدودة في جزئيات الدفاع والأمن الوطني، (تحديدا دون القومي لأن القومي يشمل العرب جميعا) والخارجية وديوان الرئاسة والإمضاء على القوانين، فالاتهام واللوم يجب ان يوجه الى السلطات التي تعرقل الرئيس وبأدب الحوار والنقد.

ما يجب قوله بالخصوص، أنّ العائبة التي تستهدف الرئيس يجب أن ينظر اليها جريمة يعاقب عليها القانون بما يستوجب من ردع يوقف عجلة التمادي في الاستهتار به، بلا فرق بين الرفيع والوضيع، وبين العالم والجاهل، بل لعل عقوبة العالم بثنيه عن غيّه، وتقليم أظافر استهتاره وما يخفيه وراء ذلك من ضغث حلم، يجب ان تكون أشدّ ليرتدع به من دونه، كما هي حال أبو يعرب المرزوقي، الذي فات المدى فيما دوّنه الى اليوم، حتى خيّل اليه أنه صاحب القول الفصل فيه، منظّر فوق التنظير ورئيس فوق الرئاسة ووطني محض فوق الوطنية، ويا لتعس عقل كهذا، يجب ردعه قبل أن يسمم عقول اناس أغواهم فصدّقوه.

ما لا بد من تذكره هنا، هو اننا نعاني من تراكمات انظمة ظالمة وعميلة وفاسدة، استمرت في نشر ثقافة التغريب والفساد على مدى 55 سنة، دون احتساب زمن ما فسد بعد الثورة، مديونية ثقيلة، وفساد ليس من السهل القضاء عليه، من دون تحقيق اهداف الثورة، بما فيها مكافحة الفساد، وصراع محموم بين القوى والقوى السياسية المتناحرة، وصل الى حد الكذب والاساءة، واتهام الخصوم ظلما بما ليس فيهم، وان كان لا بد من انقاذ تونس، وتعديل مسار سفينتها حتى لا تغرق، في وحل تجار السياسة الفاسدين، الذين لا تمنعهم انفسهم المريضة وأنانيتهم من التحالف حتى مع الشيطان، فإنه يجب ردع كل من يقدم على الاساءة الى شخص رئيسها، ورمز وحدتها ومصيرها، فمتى سنقدّم مصلحة البلاد على أي مصلحة أخرى، إن الوضع لا يحتمل مزيدا من الانحلال الاخلاقي والتجاوز القانوني، وعلى كل من اخطأ أن يتحمل مسؤولية خطاه، فلا يأتي بعد ذلك ليقول سامحوني، أو أن يحسب نفسه ضحية أو بطلا وطنيا مزيّفا.

اصلاح المنظومة التربوية الان اصبحت ضرورية لإنقاذ الجيال القادمة من بؤس سوء الادب، واستكمال هدف مهم من أهداف الثورة بإرساء ثورة ثقافية تضع أولوية بناء أخلاقي اسلامي وانساني يمنعها من أي سقوط من شأنه أن تذهب بما يقي من آمالها وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندنا قال: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق.(3)

المراجع:

1 /

قيس سعيّد في كلمة بمناسبة تقاعده: “تركت والداي على فراش الموت وذهبت لطلبتي”: الترا تونس.

 

2 – مسند احمد بن حنبل مسند ابو هريرة ج14 ص512ح8953