دينهم المال ومصالحهم / الأثرياء الجدد في تونس: مهربون وتجار مخدرات وسياسيون فاسدون…

الجرأة نيوز- تونس

دائما ما يرتبط مصطلح الأثرياء الجدد في أي بلد بحصول تغيرات عميقة ومفاجئة في المجتمع ان كان اندلاع حرب أو فتنة داخلية بمعنى حرب أهلية أو ثورة أي سقوط نظام كان مسيطرا كليا على كل شيء وظهور نظام آخر لم يفهم دواليب تسيير الدولة بعد.

هذه الوضعية تؤدي مباشرة لضعف الدولة وأجهزتها وهي مرحلة تأخذ فترة عادة ما يحددها علماء الاجتماع بعقد أي عشر سنوات قبل ان تستعيد الدولة قوتها وصرامتها.

بالنسبة للتجربة التي مرت بها بلادنا فان ما حصل ثورة لكنها ليست سياسية فقط بل اجتماعية وقيمية ايضا فقد انحدرت طبقة كاملة كانت تسيطر على جزء كبير من الموارد والسلطة وحلت محلها اخرى تجمع بين السياسيين والتجار وايضا الوسطاء والسماسرة وهم المهربون والمحتكرون.

من هنا فقد تركزت منذ السنوات الاولى لما بعد الثورة طبقة جديدة من الاثرياء استفادت من الوضع الجديد وفق شعار مصلحتى اولا ثم تأتي الوطنية والقيم بل لعل الامر احلك من هذا فالوطنية والدين والقيم عند هؤلاء هي المال والمصالح الشخصية.

 

تقلص الطبقة الوسطى

 

اول ظاهرة سلبية حصلت في مجتمعنا بعد الثورة هو التقلص الكبير في الطبقة المتوسطة التي تكون صمام الامان في أي مجتمع .هذه الشريحة كانت تمثل بين 60 و 70 بالمائة سابقا لكنها اليوم انخفضت الى ما دون 50 بالمائة وبعض الارقام تشير كونها وصلت الى 40 بالمائة.

هذه النسبة التي تقلصت تحولت الى طبقة الفقراء ومنهم الموظفون والتجار الصغار او جزء منهم .

اما الطبقة الفقيرة فقد تحول جزء منها الى شريحة الفقر المدقع أي عدم القدرة على العيش ومجاراة نسق الاسعار .

 

المهربون

 

 

لا يخلو أي مجتمع من ظاهرة التهريب لكن خبراء الاقتصاد يحددونها بين 10 و 15 بالمائة في المجتمع حتى لا تكون وباء على الاقتصاد الرسمي .

في بلادنا فان التهريب ووفق ارقام رسمية التهم اكثر من 50 بالمائة من قيمة الاقتصاد الرسمي بل ان البعض بات يتحدث عن 60 بالمائة .هذه النسبة هي موارد للدولة تحولت او تحول الى جيوب قلة لا يعرف فيما تنفقها او تستثمرها .

هذا الامر يفسر تزايد حجم الفساد في بلادنا بعد الثورة وظاهرتي تبييض الاموال وتهريبها للخارج.

هؤلاء لا يكتفون باستغلال موارد الدولة المباشرة وافتكاك مسالك التوزيع من الاجهزة الرسمية بل انهم انشأوا ما يمكن ان نسميه “بنك مركزي” خاص بهم يروجون من خلاله العملة الصعبة في سوق سوداء تتضخم باستمرار.

هؤلاء لا يدخلون سلعا من الخارج دون دفع ضرائب ومعاليم ديوانية فقط بل ان ايديهم امتدت لقطاعات حساسة كانت حكرا على الدولة وصاروا يأخذون نصيبهم منها بطرق ما مثل السجائر والفسفاط وذلك بتعطيل النقل عبر السكك وتحويل اغلب الانتاج للنقل بالشاحنات التي هي على ملكهم اضافة الى المنتجات الحيوية مثل الخضار واللحوم والبيض والزيت وغيره أي تهريب المواد المدعمة واحتكارها  ما يؤدي الى رفع اسعارها بصورة مشطة جدا وبالتالي القضاء على المقدرة الشرائية للمواطن في مقابل جني المليارات لأنفسهم.

 

سوق المخدرات

 

مجال آخر صار شريحة هو الآخر وهم تجار المخدرات وهنا لسنا في حاجة لذكر الارقام التي عددناها مرات ومرات لكن يكفي ان ننظر للواقع على الارض والانتشار الرهيب للمخدرات بكل انواعها بما في ذلك في صفوف الشباب والتلاميذ والطلبة لنفهم ما يحصل أي كيف دخلت وروجت وبيعت؟

فالمخدرات هي مجال يوفر ارباحا مهولة في فترة قصيرة لكنه دائما في حاجة للفوضى والتوترات الاجتماعية حتى تبقى الدولة واجهزتها ضعيفة فلا تضربه.

انتشار المخدرات في بلادنا لا يأتي من عدم بل هناك رؤوس تتحكم في هذه السوق السوداء لكن من هم ولماذا لم تحاسبهم الدولة الى الان لأن حجز بضعة كلغرامات كل فترة ليس الحل بل الحل الجذري هو كشف الشبكات وتفكيكها.

 

السياسيون

 

 

هنا نتحدث عن ارتباط السياسة بالمال وبالفساد ففي تونس بعد الثورة ولدت شريحة من السياسيين جلهم كانوا مغمورين وكثير منهم وصل للسلطة والنفوذ بسهولة ودون ان يتوقع ذلك وطبعا انعدام القيم والمبادئ يفتح المجال “للترافيك” واستغلال المنصب وهذا النفوذ لخدمة النفس وتحقيق المصالح لا خدمة الوطن.

خير مثال على ذلك ما فجر من فضائح فساد مرتبطة بنواب في البرلمان وصعوبة تتبعهم بسبب الحصانة التي يتمتعون بها والتي رفضوا التخلي عنها.

بل هنا كثير منهم ممن ظهرت عليه علامات الثراء فجأة وكأنه عثر على كنز لكن في الحقيقة هو عثر فعلا على كنز وهو كنز السلطة والنفوذ وغياب المحاسبة وانتشار ثقافة الافلات من العقاب.

محمد عبد المؤمن