دردشة يكتبها الأستاذ الطاهر بوسمة / حكومة بالمناولة… بدعة تونسية؟

كتبت منذ مدة عن المناولة واللزمة وبالتحديد يوم28أكتوبر الماضي وقلت إنها باتت الأنسب للدولة وخاصة فيما لم تكن لها فيها مصلحة او بها مختصة، لأنها تفقدها صفة المراقب.

لم أكن وحدي الذي يرى ذلك، بل نبه له ابن خلدون في مقدمته وخصص له فصلا وقال “أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا، ومفسدة للجباية ”

ولكنه لم يوصي باعتماد ذلك في الحكم والسلطة لأنها تبقى من صلاحيات السلطان الذي يعتمد على الانتساب والعصبية والقوة قبل ان يتطور الحكم ويصبح ديموقراطيا، لكن لتلك الطريقة الحديثة قواعد أساسية لم نسبق بها نحن العرب الغرب الذي جربها وصحت في كل أشكال الحكم من ملكية دستورية وأخرى برلمانية أو رئاسية وحتى معدلة.

لقد اخترنا نحن أصعبها وقسمنا السلطة التنفيذية بين رأسين واحد ينتخب مباشرة من الشعب (رئيس الجمهورية) والآخر يتحصل على ثقة المنتخبين في المجلس النيابي (رئيس الحكومة) وله بنيل الثقة كامل الصلاحيات تقريبا.

ومن مساوي ذلك النظام الذي ظهرت عيوبه التناقض البائن بين الطرفين وتداخل الصلاحيات والتشويش المقصود والغير المقصود الذي أفسد سير الحكم وضاعت به المصلحة منا.

كان ذلك متوقعا منذ البداية ولكن سوء النية وقلة الثقة فيما بين الأطراف هي التي تسببت في ذلك، ولم تراجع في الأثناء لان كل ممن تولى الحكم وجد مصلحته في تلك الطريقة بالرغم من انهم كانوا جميعًا ينتقدونها مثلما كانوا ينقدون القانون الانتخابي الذي كان على أساس لا تحكم ولا احكم ولن نترك من يحكم؟

لذلك رأينا هذه المرة كيف يكذب الكل وينتقدون بعضهم على ذلك لان كل ما التزموا به أثناء الحملة الانتخابية تراجعوا فيه من اول اختبار وقعوا فيه بمناسبة تشكيل مكتب مجلس نواب الشعب أخيرا.

استمر ذلك التناقض ورأينا النهضة التي تحصلت على نحو عشرين في المائة52 /217من مقاعد المجلس مكنتها من تشكيل الحكومة.

رأيناها تحت ضغط حلفائها خصومها تستعمل طريقة المناولة لما اختارت رئيسا للحكومة من خارج المجلس، لم يكن متحزبا أو سياسيا معروفا أو منتخبا وذلك ما يفقده الصفة والقوة التي سيتعامل بها مع رئيس الجمهورية المنتخب مباشرة بالمبايعة أو مع رئيس مجلس النواب المسند بشرعية المجلس.

انها من عجائب ونوادر التجربة التونسية التي أتوقع ان تخفق لان الهروب للأمام يؤدي حتما لخسارة اَي معركة.

فأنا لا يهمني ذلك الذي وقع عليه الاختيار من طرف الحزب المخول له ذلك، ولكنني وضعته في خانة الحكم بالمناولة التي أوصيت بها ذات يوم لإصلاح المؤسسات الفاشلة التي باتت عبئا على خزينة الدولة، لم يكن لبقائها فائدة ترجى ولا علاقة للحكم بها أصلا، لأنها لم تكن استراتيجية ولا ضرورية للسلطة التي يبقى لها حق الأمر والنهي واستعمال القوة المشروعة لاستتباب الأمن وضمان حق المواطن في التعليم والصحة والمرافق العامة الأخرى.

انني لا أرى مصلحة من إبقاء مؤسسات خاسرة تديرها الدولة كالبنوك وصناعة التبغ والوقيد والموانئ والمطارات وحتى الماء والكهرباء والتطهير ومناجم الفسفاط والطرقات السيارة والنقل

وسكك الحديد وغيرها ممن ليس للدولة فائدة منها، لأنها لم تكن قادرة عليها وليس لها من المال ما يكفي.

كان عليها أن تعد الدراسات اللازمة  وكراس شروط وتعرضها على الخواص في الداخل والخارج لآجال معلومة تضمن حقوق العاملين فيها وتعطي تعويضا مباشرا لضعفاء الحال حتى لا يتأثروا بما سيطرأ من اعتماد لحقيقة الأسعار والتخلص من صندوق الدعم والتعويض الذي بات غولا يهدد التوازنات ويحول دون القيام بما هو لازم للتنمية وإصلاح البنية الأساسية التي بات متدهورة جدا.

لقد بلغنا من التداين ما جعلنا مرتهنين للغير بينما كان علينا أن نتخلى عما ليس ضروريا مثلما يجري في كل العالم الذي تخلص من عقلية الدولة الراعية التي فات وقتها مع انتشار الوسائل العصرية.

سوف اتعرض للنقد والتجريح إزاء تصريحي بهذه المحرمات ولكن ذلك أراه ضروريا.

نعم ذلك هو انطباعي عن الحالة التي وصلنا اليها ولم تكن تبشر بخير وتمنيت على الفاعلين ان يبتكروا طريقة حكم جديد تخلصنا من هذا الجمود الذي بات يعيقنا عن التطور، وأن يعترفوا بالحقيقة التي بدونها لن يتغير الأمر.

                                                       تونس في 16 نوفمبر2019