دردشة يكتبها الأستاذ الطاهر بوسمة / ب.س.ب. B.S.B مرة ثانية

لما كتبت عن المرحوم البشير سالم بالخيرية الذي اشتهر وقتها بتلك الأحرف الثلاثة اختصارًا لم اكن أترقب ذلك الكم الهائل من التفاعل الإيجابي الذي اثرى ما كتبته عنه وزاده بيانا وتوضيحًا.

لم أشأ ان اعلق مثلما تعودت عليه عما جاء بمشاركاتكم النبيلة وكلها كانت لي مقيدة وإيجابية جدا زادت تلك الأسطر القليلة اثراء وعلامة مضيئة وجدتها فيكم بفضل ( الفايس بوك ) الذي كان في الأساس وسيلة تواصل بين المنخرطين فيه بيسر وسهولة، ولكن البعض قلبها إلى وسيلة إساءة وكره وضغينة الى درجة بات من يحترم نفسه يمسك عن الكتابة فيه أو التفاعل مع من كان يعرفهم من الأصدقاء الذين غابوا عنه في زحمة الحياة التي تعقدت وبتنا اسرى فيها.

لذلك خصصت هذه الحلقة الثانية لإجابتكم جميعا لان كل الذي جاء في تعليقكم كان مفيدا، وتعرفت بفضله بأشياء أخرى لم أكن عرفها من قبل ولم تسمح لغيري من الاطلاع عليها؟

ومما اثار إعجابي هو اكتشافي لأصدقاء وصديقات جدد يحسنون الكتابة ويجيدون التفاعل المفيد إثراء للموضوع الذي يستحق منا العناية لإعطاء تلك القامة الكبيرة التي غيبها الموت الذي كان حقًا علينا.

ومما يمكن استنتاجه هو تقصيرنا نحن لما تركنا المجال العمومي لبعض من المهرجين في وسائل الأعلام الخاصة والرسمية وابراز مساوي التونسيين فيها بنشر الثياب المتسخة على العوم حتى باتت بنات الليل عندنا نجوما يتحدث عنها الأعلام بتلك الطريقة المستفزة بدون حياء أو حشمة.

اما بالنسبة للمتحدث عنه المرحوم بشير بالخيرية الذي اتخذته عنوانا لمقالي هذا فقد كان على السلط الرسمية اعطاءه لحقه بالتكريم ولو بعد حين لان في ذلك علامة على تحضرنا والتعريف بمن ساهم فيما بتنا عليه من نمو وحضارة وتعليما مذكورا، وقلت أما كان علينا مثلا ان نطلق اسمه على كلية او جامعة من جامعاتنا العديدة والتعريف بمبادراته الكثيرة ونحن في وضع أصبحنا نتباكى فيه على الجهات المهمشة وقد سبقنا اليها المرحوم كما جاء في بعض الإضافات التي تفضل بها المشاركون بالتعليق عما سبق ان كتبته منذ يوم لو بعض يوم.

وهل رأيتم كيف اعتمد ذلك الرجل الاستثنائي على نفسه بدون ان يتولى لأي منصب حكومي كان له لو اراد من أحسن المؤهلين.

وهل وجدتم اسمه مدرجا في قائمة من قائمات المقترضين من البنوك الخاصة او الرسمية وبقي مطلوبا اليها.

فكل الذي علمته وشاركت في رفع الظلم عنه سببه تغيير علاقة تونس بالآخرين الذين استعمرونا وقرروا بان نبقى لهم أسرى في معاملاتنا بما كانوا علينا يفرضون.

لتلك الاسباب تمت مضايقته، ولكنه لم يستسلم وواصل طريقه الذي وصلنا به نحن اخيرا الى تنويع مصادر تزودنا بما كان يناسبنا رحمة بنا ممن كنا لهم من العاشقين.

انها عقلية سبقنا بها بشير سالم بالخيربة ولكننا لم نكن نصدق ما كان ينبهنا اليه حتى وقفت بنا الزنقة اخيرا

قلت في الكلمة التي خصصتها لذكراه إنه لم يكن مثل الآخرين من رجال المال والأعمال الذين باتوا حيثيات في هذا الزمن الفوضوي الذي بتنا نعيش فيه، وقد بدت الثروات تطل علينا في القصور والسيارات الفخمة وكثرة المساحات التحاورية التي تشجع على استهلاك ما لا تنتجه الايادي التونسية

فهل فكر أحد من هؤلاء في الإنسان وما يجب ان يتربى عليه شباب المستقبل من علم وثقافة وتربية اخلاقية ودينية.

إنهم باتوا يكدسون المليارات ويتفاخرون بها علينا مثلما بات العالم كله ماديا، بدون أن يفكروا بان المال يعتبر وسيلة وليس بغاية بها علينا يفتخرون.

لقد ترك المرحوم مركزا ثقافيا سماه بشرى الخير تقام به اللقاءات العلمية والثقافية وكم حضرت فيه لاستمع لمحاضر يتحدث عن امر يعنيني ويشاركه بالنقاش الحاضرون. وتلك عينة صغيرة بقيت مضيئة ولم تنتهي بانتهاء حياة باعثها المادية.

اناشد هؤلاء الأثرياء الذين تعاظموا علينا بكثرة أموالهم، وبادر البعض منهم بخزنها بالجنائن الضريبية، انها لن تبقى لكم ذكرى تنعمون بها في هذه الدنيا الا إذا تركتكم عملا مفيدا سواء كان ثقافيا أو صحيا او رياضيا أو اجتماعيا لمن هم في حاجة ماسة للمعونة ولعل الله يحفظه لكم يوم الدين.

لقد بقي التاريخ يذكر من النساء بالسيدة المنوبية والسيدة عزيزة عثمانة الى اليوم لأنهن تركن بما يذكرن ولم تخلد بعدهن من اكتسبن ثروة كببره بدون وجه حق بل باتت أسماؤهن تذكر بسوء.

أما من الرجال فقد تذكرت إلحاح علي صوة اصيل مدينة قصر هلال ذلك الملاك الذي منً الله عليه بخيره، فصرفه في بناء أول مدرسة قرآنية ومستشفى بمسقط راْسه ومدرسة سكنى بتونس لتلامذة الزيتونة المحتجين.

انها من الأمثلة التي تستحضرني واظن انها كثيرة وتلك من الأعمال التي تدوم ومعذرة لهؤلاء الذين باتوا أسرى لجمع المال وفتح الطريق لخصومات الوارثين.

وختاما اعتذر للأصدقاء الذين تفضلوا بالتعليق عما كتبته أخيرا عن ذلك الرجل الاستثنائي لأنه تعذر علي جوابهم فردا فردا.

                              تونس في27  نوفمبر 2919