دردشة يكتبها الأستاذ الطاهر بوسمة/ المرحوم الأستاذ عمر الشاذلي الذي عرفته

انتشر خبر نعي الاستاذ عمر الشاذلي في المواقع قبل المولد النبوي بيوم واحد، فتلقيت النبأ بحزن وحسرة، لأني على صغر سني وقتها في النصف الأول من ستينات القرن الماضي كنت عرفته بعين دراهم لما كنت عليها معتمدا، جاءها ذلك الاستاذ المبرز والمميز في الطب وصاحب الشهرة الواسعة بصفته مديرا لمعهد بستور المختص في البحوث الطبية وإجراء التحاليل المعمقة.

جاء إلى عين دراهم يومها وكنت في انتظاره لأنه تعنى بالإعلام وأخذه له موعدا لزيارة منطقة جبلية لا يمكن الوصول اليها الا بسيارة رباعية الدفع، كانت المعتمدية بها مجهزة لتجاوز الطرقات الجبلية الصعبة والسير على الثلوج عند لاقتضاء لما كانت  كل سنة تنزل بكثرة، وبدون تلك السيارة يتعذر على السلطة المحلية التحرك لأداء مهمتها.

دخل علي يومها ولم أكن من قبل قد عرفته، وكنت في موقف صعب لأني أشعرت قبلها بأهميته، ولأنه كان مرسلًا من طرف الرئيس بورقيبة شخصيا في مهمة.

ترافقنا في تلك الرحلة إلى عين دافئة كائنة على مسافة نصف كلم من الحدود الجزائرية وبها عدة أكواخ مشتتة ولا أكثر، كانت مقصدنا، وجدنا شيخ المنطقة (أصبح يسمى عمدة) في انتظارنا لأني كنت بتلك الزيارة قد أعلمته مسبقًا.

لم يكن الاستاذ عمر الشاذلي يومها وحده بل جاء معه أستاذ مختص في الجيولوجيا وطبقات الأرض ليفحص العين وظروف جلب ماءها قبل ان تبدأ الأشغال اللازمة لجهرها وتحديد مكان لبناء مرفق صغير قريبا منها ولوضع الآلات الطبية للاستراحة، فكان ذلك حمام بورقيبة لما تم الانتهاء من تشييده كمحطة جلبت اليها المياه الدافئة ذات الخصوصيات النافعة، ونصبت فيها الأجهزة الطبية المستوردة للغرض،

هو نفس المكان الذي بنيً بالقرب منه ذلك الفندق الرفيع الدرجات الذي بات مقصدًا للراحة وللعلاج لمن يقصده.

وللتذكير مر منها السيد أحمد بن صالح للجزائر عند تحرره فرارا من سجنه وكررها المرحوم محمد مزالي لما منع بجلده.

كانت النية متجهة وقتها إلى اجراء بورقيبة لحصص علاج على الحنجرة تدوم في اليوم ساعة أو نحوها ليعود بعدها لمقر إقامته بعين دراهم وبفج الإطلال بالتحديد لمن لا يعرف المكان الذي تم اختياره بعد ترميمه، وكان قبلها لاحد المعمرين الأجانب استرجعته الدولة بعد تأميم الأراضي الزراعية سنة 1963.وأظنه تحول أخيرا إلى فندق لإقامة المحبين لتلك المدينة الرائعة التي قضيت فيها أقل من سنتين وما زلت أحن اليها كلما تذكرتها.

جاء بورقيبة في صائفة ذلك العام 1965 وبقي بعين دراهم لمدة أسبوعين، كان يتنقل بينها وبين ذلك الموقع، وكنت أصحبه مع المرحوم الاستاذ عمر الشاذلي طبيبه الخاص إلى ان انتهت حصص العلاج المقررة.

هكذا عرفت المرحوم واقتربت منه أكثر، وقد كتب القصة كاملة بنفسه في كتاب سماه (بورقيبة كما عرفته) أهداني منه نسخة، فوجدته قد استعرض فيه القصة كلها وخصص صفحتين لذلك الموقع وذكرني بالاسم والصفة، وكيف وجد ملفا بمعهد بستور تركه المدير الفرنسي السابق قبل أن يغادر، فجد فيه المرحوم دراسة وافية عن خاصيات تلك العين المفيدة لعلاج الحنجرة تركه المدير الفرنسي قبل أن يغادر، وبه خصاص تلك العين التي لها نفس خاصيات عين توجد بسالسيو ميجوري الإيطالية التي كان بورقيبة يتحول اليها عادة لنفس الغرض، ولمن يريد أن يعرف أكثر عليه بالرجوع لذلك المصدر.

وتمر الأيام ويتقلب المرحوم في مناصب ومراكز سيادية عدة عهد له بها الرئيس بورقيبة في أيامه لقربه منه وثقته فيه، وبتلك الصفة حدث الرئيس عما اكتشفه وتحصل على إذنه لتهيئتها للغرض، وكان بورقيبة أول من جربها على نفسه وتلك مسؤولية كبرى تحملها المرحوم بشجاعة تذكر له.

كان الرئيس بورقيبة عليه رحمة الله يطمئن له في أكثر من اختصاصه، لذلك عهد له بإنشاء كلية للطب بتونس وعينه عميدا لها فأنشأها من عدم، وتخرج على يديه منها أحسن الأطباء لأنه في ميدانه كان صارما خلافا لطبعه،

لقد تولى وزارة التعليم العالي والتربية قبل ان يتولى إدارة ديوان الرئيس بورقيبة بنفسه لوقت الانقلاب عليه، لكنه لم ينقطع عنه حتى تم منعه، ولكنه إستمر في السؤال عن أحواله والكتابة عن نضاله حتى في أيام الجمر والرقابة المشددة، خاصة بعدما تم نقله لمرناق ثم للمنستير أين أتم أيامه.

لقد كان قامة علمية متميزة، وترك بصماته ظاهرة في الطب والبحث العلمي والسياسة وعزة النفس والوفاء لتونس أولا لبورقيبة ثانيا لآخر يوم من حياته.

توفي عن عمر مديد قضاه في عمل الخير والتأليف والكتابة في شتى المواضيع، أثث بها المكتبة التونسية بنفائس الكتب، فرحمة خالصة على روحة وعزاء لعائلته ولأصدقائه الكثر ومعارفه وتقبله الله برحمته وعفوه وغفرانه وإنا لله وإنا اليه راجعون.

تونس في9  نوفمبر 2019

الطاهر بوسمة