خطير: الغرب يترك أبناءنا ليغرقوا في البحر وفي المقابل «يسرق» الأدمغة والكفاءات المتميزة

الجرأة نيوز / محمد عبد المؤمن

تزخر وسائل الاعلام بشكل شبه يومي ومستمر باخبارعن غرق زوارق المهاجرين الذين يسمونهم غير شرعيين في حين ان ميثاق الامم المتحدة لحقوق الانسان يكفل حرية التنقل والاقامة للجميع.

هذه المآسي تحصل في كثير من الاحيان امام مرأى زوارق الانقاذ لبدان غربية وتبرير ذلك كونهم يريدون الدخول الى أوروبا الآمنة المزدهرة ليأتوا معهم بالأمراض والفوضى وغيرها.

هذه النظرة العنصرية  تقابلها ظاهرة بدأت تتوسع وهي ان البلدان الغربية ان كانت أوروبية او الولايات المتحدة يستقطبون الكفاءات العربية  ومن العالم الثالث بما فيها تونس للاستفادة منهم أي ان دولهم تنفق عليهم لتعليمهم وتكوينهم ثم يأتي الغرب فيحصل عليهم بلا ادنى مجهود.

هذه الظاهرة لا يلام عليها البلد المستقبل فقط بل البلد الاصلي بما فيها بلادنا.

علينا ان نوضخ كون تزايد وتصاعد خسارة البلاد للكفاءات له اسباب عدة منها ذاتي يتعلق بالاشخاص وطموحاتهم والبحث عن فرص افضل لكن السبب الأهم هو غياب الفرص للخلق والابداع والانخراط في الدورة الاقتصادية بل اكثر من هذا فان كفاءات كبيرة وجدت نفسها عوض استثمار تعليمها وتكوينها تقف في صفوف البطالة بلا امل ما يخلق فيها حالة احباط ويأس.

هذا الوصع تتحمل المسؤولية فيه الحكومات المتعاقبة التي تتعامل مع كفاءاتها التي انفقت عليها الكثير من موارد المجموعة الوطنية على انهم مجرد رقم في إحصائيات حول نسبة وعدد العاطلين عن العمل والمتخرجين من الجامعات بل اكثر من هذا فحتى الكفاءات ذات التكوين المتميز في الخارج تعود لتجد نفسها على الهامش .

تقرير

لفهم واستيعاب خطورة هذه الظاهرة يتطلب التعرف على تفاصيلها اي استعراضها بالأرقام والنسب.

في هذا السياق يشير تقرير صادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ان حوالي94الفا من الادمغة التونسية مستقرة في الخارج اي ما يمثل حوالي 9بالمائة من العدد الجملي للجاليات التونسية بالمهجر .

هذا العدد وهذه النسبة تمثل الاشخاص الحاصلين على شهادات جامعية في شتى الاختصاصات وخاصة العلمية والتقنية منها اضافة الى اصحاب المهن الحساسة اي التي تكلفت على الدولة مبالغ طائلة ومنهم خاصة الاطباء والمهندسين والاساتذة الجامعيين والباحثين .

وفق التقرير فان 84 بالمائة من هذه الكفاءات استقطبتهم واجتذبتهم بلدان اوروبية والبقية موزعون بين كندا والولايات المتحدة الامريكية ودول اخرى بما فيها دول خليجية.

في السياق ذاته اكد تقرير لكتابة الدولة للهجرة صدر منذ فترة بان هناك ما لا يقل عن 60الف طالب تونسي في الخارج وتضيف ان الطلبة التونسيين الذين يتوجهون الى بلدان غربية لمواصلة دراستهم العليا لا يعود منهم الى الوطن الا 10بالمائة وحتى اقل اي ان 90بالمائة منهم يختارون الاستقرار هناك.

كل هذا يعني بأكثر دقة ان بلادنا تنفق المليارات على أبنائها من المرحلة الابتدائية الى الجامعة باعتبار ان التعليم في كل مراحله مجاني لتسلمهم بعد ذلك لبلدان اخرى «هناني بناني»كما يقال ليستفيدوا من كفاءتهم دون ان يكونوا قد انفقوا عليهم دولارا واحدا.

وفق معطيات فانه يسجل هجرة اكثر من 800 طبيب سنويا وضعف هذا العدد بالنسبة للأساتذة الجامعيين والباحثين هذا دون احتساب المهندسين والتقنيين .

معضلة عربية

ظاهرة هجرة الادمغة والكفاءات لا تعاني منها تونس فقط بل عديد الاقطار العربية والسبب ان هذه البلدان تعاني من نفس المعضلة ..

في دراسة  اخرى اعدها معهد التخطيط القومي المصري اورد ان العالم العربي يعاني من معضلة خطيرة جدا وجبت معالجتها تتمثل في هجرة الادمغة نحو الغرب ليوضح ايضا ان اكثر البلدان العربية التي تعاني منها هي تونس ومصر والمغرب ولبنان .

هذا المشكل له وجهان الاول ان هجرة الادمغة هي استنزاف للموارد الوطنية لان الاصل ان تنفق الدولة على أبنائها ليفيدوا بلادهم وذلك باستثمار كفاءاتهم في بناء البلاد والنهوض باقتصادها.

الوجه الثاني هو ان هذه الكفاءات تتم الاستفادة منهم من بلدان اخرى حيث انها تحصل عليهم جاهزين ولا تبذل اي جهد سوى في ادماجهم في الدورة الاقتصادية.

الحل الامثل والناجع لهذه المعضلة لن يكون قانونيا اساسا بل موضوعيا وعمليا وذلك بتهيئة المناخ للعمل وايجاد واقع يمكن من تحويل الافكار الى مشاريع وانجازات وخلق وابداع لكن للأسف مادام كل هذا مفقود وهو مفقود فعلا فان هجرة الادمغة والكفاءات ستتواصل بل ستتصاعد وتيرتها مستقبلا خاصة في ظل الازمات التي تمر بها البلاد.