الحرية والديمقراطية : القمع الاجتماعي أشد وطأة من قمع الديكتاتوريات العربية

كتب سعد بن طفلة العجمي*

ان ما اتُّفق على تسميته “إعلامياً” بالربيع العربي درساً تاريخياً لنا جميعاً لإعادة المذاكرة والمراجعة لطبيعة فهمنا للحرية كقيمة مطلقة للإنسان. الحرية التي تندرج تحتها ممارسات متعددة، كحرية الرأي والتعبير والكتابة والقراءة والنشر والبحث والعبادة والمعتقد والحريات الشخصية وحرية الإعلام وحرية الاختيار، كما تندرج من بين تلك الحريات حرية الديمقراطية التي تعطي الإنسان حق اختيار من يرسمون له سياسة بلاده ومستقبلها ويديرون شؤونها.

هناك خلط يعكس جهلاً بين الحرية والديمقراطية، فالديمقراطية تعني إدارة الناس (ديمو: الناس أو البشر أو السكان، وكراسيا: الإدارة)، وهكذا البيروقراطية من (بيرو: مكاتب، وكراسيا: الإدارة)، ثم تغير معناها بالفرنسية أوائل القرن التاسع عشر لتعني تعقيد الإدارة، فانتشر ذلك المفهوم لمعنى البيروقراطية في العالم اليوم.

ترجم دعاة الدين السياسي الديمقراطية بأنها “حكم الشعب”، فقالوا: هي كفر صراح، فلا حكم إلا لله. بينما الأصح أنها “إدارة الشعب”، ولا علاقة لذلك بالكفر أو الإيمان.

صُدمنا بالربيع العربي الذي استبشرنا في بداياته خيراً، كثيرون منا ظنوا أن الربيع العربي، ثورات حرية حتمية انتفضت ضد القمع والظلم والفقر والتخلف، لكن ثبُت لكل عاقل مراقب أن الربيع العربي كان ثورة ضد القهر والفقر وحسب، ولم يكن ثورة من أجل الحرية، فلم تتشكل روح الحرية والإيمان بها في أعماق الثائرين ولا حتى بين قادة هذه الثورات.

في العقل العربي، كلٌّ يدّعي أنه يؤمن بالحرية، ولكن الحرية التي لها “ضوابط وحدود”، ومن يحدد تلك الضوابط؟ ومن يرسم تلك الحدود؟ يحددها ويرسمها كل واحد فينا على هواه، أو حسب تراثه، أو حسب دينه أو طائفته، أو جرى تحديدها ورسم حدودها له من قبل شيخه أو مرجعه الذي يجب أن يعود إليه ليفتي له في مدى تجاوز هذا الأمر أو ذاك لحدود الحرية.

الإنسان بيننا سلّم عقله وحريته لموروثه، وتنازل طوعاً بكل كسل وبلادة وخوف عن حقه في تحديد ورسم حدود حريته لشخص آخر أو لرجل دين آخر أو لمفتٍ من شيوخ الزمان، وما أكثرهم!

القمع الاجتماعي في كل بلدان العالم العربي أشد ضراوة وقسوة من قمع الديكتاتوريات العربية، فالديكتاتوريات لا تصادر حرياتك الاجتماعية في الغالب، بينما يصادر أصحاب ترسيم حدود الحريات، حريتك الاجتماعية والسياسية، والديكتاتوريات غير معنيّة سوى برأيك السياسي، أما قوى الدين السياسي، ومن تابعهم وآمن بهم، فسيصادر حقك السياسي وحقك الاجتماعي، ويدخل حتى في غرفة نومك ودورة المياه كي يحدد لك كيفية ممارسة السلوك الطبيعي لدى الإنسان.

لعل أشد أعداء الحرية بيننا هم الذين يطالبون بالديمقراطية وحسب، فهم يخلطون بجهل، وأحياناً بعمد، بين الحرية والديمقراطية، فالديمقراطية واحدة من حريات عديدة، بل لعلها آخر الحريات التي يجب أن نطالب بها بعد أن تسود الحرية ويعتقد الناس بها.

لا ديمقراطية قبل الحرية، ولا حرية لدى المسيّسين، وكلنا في هذه الأمة مسيّسون، والمسيّس لا يمكن أن يكون حراً، فلديه “ضوابط وحدود” ومبادئ وآراء ومواقف، وهذا، برأيي المتواضع، ينطبق علينا جميعاً من دون استثناء تقريباً: الأميون والمتعلمون والمثقفون والجهلة (بمن في ذلك كاتب هذه السطور)، كلنا يطالب بالديمقراطية ويدّعي الإيمان بالحرية ذات “الضوابط والحدود”، وكل واحد فينا لديه ضوابطه وحدوده المختلفة عن الآخر.

قد يقول قائل: وماذا عن مسيّسي الشعوب الديمقراطية الحقيقية المتقدمة؟ والجواب أن هؤلاء تسيّسوا وسط أجواء من الحرية كقيمة لا ضوابط ولا حدود لها، ولا خلط هنا بين الحرية كقيمة تشبّعت بها هذه الشعوب المتقدمة وبين ضوابط القوانين التي سنّتها بطرق ديمقراطية، تلت تحقيق الحرية والإيمان بها، فهناك فرق كبير بينها وبين تلك الضوابط والحدود التي يفرضها الأفراد والمجتمع كضوابط موروثة من دون مراجعة أو مناقشة، بل إن مناقشتها من المحرمات، ومن يجرؤ على مراجعتها أو التشكيك فيها، فالويل له من قمع المجتمع والأفراد قبل السلطة والدولة.

الحرية شيء، والديمقراطية شيء آخر، ودعاة الديمقراطية بيننا لا يؤمنون بالحرية، بل هم ينشدون امتطاء الديمقراطية للوصول إلى السلطة، ومنها يلغون الآخر، ويفرضون الضوابط والحدود كما يشاؤون، ثم نعود إلى المربع الأول ونستمر في حلقة مفرغة.

وزير الإعلام السابق في الكويت*

المصدر: أندبندنت