الأستاذ الطاهر بوسمة / ذكرياتي مع الباجي قائد السبسي …هل لنا أن نحتفل بعيد الجمهورية

كتب الطاهر بوسمة :

يصادف اليوم ذكرى اعلان الجمهورية ووفاة المرحوم الباجي قائد السبسي الذي بقدر ما اختلفنا عن مساره فقد اكدت الاحداث صحة وسلامة مواقفه التي بتنا هذه الأيام في حاجة اليها.

لم أكن متحمسا له كثيرا لمًا وجه نداءه الذي أسس عليه حزبا أوصله للحكم ولرئاسة الجمهورية في فترة صعبة ودقيقة كادت تعصف بالتحول الديموقراطي.

ولكنني بعد قراءتي للكلمة التي نشرها أخيرا الشيخ راشد الغنوشي والتي كان يذكرنا به فيها، وكيف توصلا معا لإنقاذ البلاد من شبح فتنة كانت تهدد المسيرة وتعيدنا للكره والحقد والتباغض ورفض الاخر بدون سبب يذكر، وتذكرت ما قاله شاعر في قصيدة اخترت لكم منها بيتين:

سَيَـذْكُـرُنـي قـومــي إذا جَــــدَّ جِــدُّهُــمْ،

                                             وفي اللّـيـلـةِ الظَّـلْـمـاءِ يُـفْـتَـقَـدُ الــبَــدْرُ

نعم انه الباجي قائد السبسي الذي كان حاضرا في الحكم والسياسة منذ استقلال تونس وبات يذكر بعد وفاته ايضا.

لقد بدأ حياته محام ثم انخرط في الحكم كمدير للإدارة الجهوية بوزارة الداخلية التي عرفته فيها لما استدعاني في نهاية سنة 1960 بمجرد تخرجي من المدرسة العليا للحقوق وعرض علي تولي خطة معتمد وقبلت عرضه ذلك باريحية.

لقد تولى بعدها ادارة السياحة لفترة قصيرة ليعود بعدها للداخلية مديرا للأمن الوطني بعد اكتشاف مؤامرة كادت تؤدي للانقلاب على بورقيبة.

وبوفاة المرحوم الطيب المهيري تولى وزارة الداخلية واستمر فيها الى فترة ايقاف سياسة التعاضد واقالة مهندسها السيد احمد بن صالح.

لم يكن غريبا عن ذلك التحول واتذكر انه دعاني لمقابلته ذات يوم في شهر اوت 1969 لما كنت معتمدا بالنفيضة ليأخذ رأيي الذي لم يكن وقتها مهما.

تولى بعدها وزارة الدفاع لفترة قصيرة ثم سمي سفيرا لتونس بباريس وقد كشف بعدها رايه علنا ملمحا لوجوب تغيير السياسة بإدخال جرعة من الديموقراطية. وانضم للجناح الذي كان يتزعمه السيد احمد المستيري ودخلوا معا لمؤتمر الحزب المنعقد بالمنستير في اكتوبر 1971 والذي انقسم فيه الدستوريون.

كان من بين الذين ابعدوا من الحزب والحكومة قبل ان يقرر مؤتمر المنستير الثاني المنعقد في سنة 1974 رفته مع تلك المجموعة، وزاد عليهم المرحوم محمد المصمودي المتهم وقتها بالوحدة مع ليبيا والتي تم افشالها قبل ان ترى النور.

اختار بعدها العودة للمحاماة والنشاط ضمن تلك المجموعة بالكتابة في الصحافة، ولكنه لم يقطع الحبل مع بورقيبة اذ لم ينخرط في حركة الديموقراطيين الاشتراكيين التي اسسها السيد احمد المستيري ونخبة أخرى اختارت طريقها للأخر.

عاد للحكم مرة اخرى بعد احداث قفصة ومرض المرحوم الهادي نويرة وتولي المرحوم محمد مزالي الوزارة الكبرى، كوزير معتمد ثم وزيرا للشؤون الخارجية التي استمر فيها لعدة سنين، ولم يغادرها الا في الفترة الاخيرة من حكم بورقيبة ليعين سفيرا لتونس بألمانيا الغربية.

عاد بعد السابع من نوفمبر الى تونس وانتخب عضوا بمجلس النواب عن حزب التجمع وتراس المجلس لسنة لم يجد نفسه فيها، وعاد للمحاماة من جديد مهنته الاصلية.

عندها ازدادت علاقتنا متانة وكنا نتلاقى اسبوعيا لنتحدث فيما يعنينا وما لا يعنينا، حتى أصدر كتابا يلخص فيه مسيرته الذاتية بحذر شديد، هناته عليه بعد قراءته وظننت انه قرر الخروج من الحكم والسياسية، ولكن الاحداث ارادت غير ذلك، اذ تولى الوزارة الاولى بعد الثورة ونجح في تنظيم اول انتخابات حرة وسلم بعدها العهدة لمن فاز فيها بالمرتبة الاولى.

ولكن ارادة الله شاءت ان يعود وينتخب رئيسا للجمهورية لعهدة واحدة لم يتممها وتوفي فيها تاركا حسرة في النفوس وخاصة بعد استعراض الذي يجري.

سيذكره التاريخ أكثر وينسى ما كان ينسب اليه من مواقف لم نكن متفقين معه عليها وذلك مصداقا للبيتين من الشعر التي صدرت بهما هذه الدردشة السريعة، متمنيا ان تكون لي معه عودة لازيدكم مما عرفته عنه.

                                                   تونس في 25 جويلية2020 .